في عالم الساحرة المستديرة، لا يُقاس الوفاء دائمًا بالبقاء داخل جدران نادٍ واحد، فثمة نوع آخر من التحدي يخوضه اللاعبون الذين حولوا مسيرتهم إلى رحلة استكشافية ممتدة عبر الملاعب، حاملين خبراتهم وحقائبهم من فريق إلى آخر. هؤلاء هم من يمكن وصفهم بـ “رحالة الكرة” الذين يتركون أثرًا في كل محطة ينزلون بها، ومن أبرز الأمثلة على هذا النموذج الفريد الحارس المخضرم محمد عبد المنصف، الذي جسد معنى الاستمرارية والإصرار.

بدأت حكاية الحارس الشهير بلقب “أوسة” من بوابة مزارع دينا، ليشهد موسم 1996-1997 انطلاقته الأولى في الدوري الممتاز، قبل أن تأتيه النقلة النوعية بالانضمام إلى القلعة البيضاء في أواخر التسعينيات. قضى عبد المنصف مع الزمالك أكثر من عقد من الزمان سطر خلاله تاريخًا كبيرًا، قبل أن يبدأ رحلته المكوكية بين الأندية المصرية، متنقلًا بين صفوف الجونة وإنبي، ثم تجربة امتدت لأربع سنوات مع وادي دجلة، وصولًا إلى محطته الختامية مع زعيم الثغر “الاتحاد السكندري”، حيث أسدل الستار على مسيرته في صيف عام 2022.

لم تكن مسيرة عبد المنصف مجرد سنوات تمضي، بل كانت سلسلة من الإنجازات والأرقام القياسية؛ فقد نجح الحارس المخضرم في دخول التاريخ من أوسع أبوابه بمشاركته في 26 موسمًا متتاليًا بالدوري المصري، متخطيًا بذلك أساطير عالمية في الوفاء والاستمرارية مثل فرانشيسكو توتي وريان جيجز اللذين توقفا عند حاجز الـ 25 موسمًا. وبلغة الأرقام، خاض “أوسة” 458 مباراة، متفوقًا على الرقم الصامد للحارس الأسطوري عصام الحضري، حيث دافع عن مرماه لأكثر من 40 ألف دقيقة، ونجح في الخروج بشباك نظيفة في 153 مواجهة، رغم استقباله للأهداف في مباريات أخرى، مما يعكس حجم الجهد المبذول طوال تلك السنوات.

وعلى صعيد الألقاب، كانت حقبته مع الزمالك هي الأكثر بريقًا، حيث توج بلقب الدوري العام ثلاث مرات، وحصد كأس مصر في ثلاث مناسبات، بالإضافة إلى ألقاب السوبر المصري. قاريًا وإقليميًا، ساهم في فوز الأبيض بدوري أبطال أفريقيا، وكأس الكؤوس الأفريقية، والسوبر الأفريقي، بجانب البطولات العربية والسوبر المصري السعودي. أما دوليًا، فقد كان عبد المنصف شاهدًا على العصر الذهبي للفراعنة، حيث تواجد ضمن قائمة المنتخب الوطني المتوج بأميركا الأفريقية في نسختي 2006 بمصر و2008 في غانا تحت قيادة المدرب القدير حسن شحاتة.

اختتم عبد المنصف هذه المسيرة الحافلة بمشهد عاطفي يعكس انتمائه الأول، فبعد صافرة النهاية في آخر مبارياته، ارتدى قميص الزمالك واحتفل بدرع الدوري مع قائد الفريق محمود عبد الرازق “شيكابالا”، موجهًا تحية الوداع للجماهير، ليعلن بذلك طي صفحة حارس مرمى استثنائي لم يعرف اليأس، وظل صامدًا بين الخشبات الثلاث لأكثر من ربع قرن.