يُعتبر محمد علي كلاي أيقونة خالدة تجاوزت حدود الحلبة لتصبح رمزاً عالمياً في الرياضة والنضال الإنساني، فقد وُلد هذا البطل الاستثنائي في مدينة لويزفيل الأمريكية في السابع عشر من يناير لعام 1942، حاملاً اسم “كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور” لعائلة تنتمي للطبقة المتوسطة، حيث نشأ بين أب يتبع المذهب الميثودي وأم ربته على المذهب المعمداني، إلا أن مسار حياته تغير جذرياً ليصنع تاريخاً خاصاً به جعله في نظر الكثيرين الرياضي الأعظم على الإطلاق، قبل أن يرحل عن عالمنا في صيف 2016.

بدأت رحلة الأسطورة مع القفازات بمحض المصادفة وهو لا يزال طفلاً في الثانية عشرة، وسرعان ما أثبت موهبته الفذة بحصد الألقاب المحلية، ليتوج مجهوده بذهبية أولمبياد روما عام 1960 في فئة خفيف الثقيل، وكانت تلك الميدالية بوابة عبوره نحو عالم الاحتراف الذي دخله بقوة كاسحة محققاً سلسلة انتصارات متتالية بلغت 19 فوزاً، تكللت في فبراير 1964 بإنجاز مذهل عندما انتزع لقب بطل العالم للوزن الثقيل من “سوني ليستون”، ليصبح حينها أصغر ملاكم يعتلي هذا العرش وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.

لم تقتصر معارك محمد علي على الحلبة فحسب، بل خاض تحولاً روحياً وفكرياً عميقاً؛ فبعد تربعه على قمة الملاكمة، أعلن انضمامه لجماعة “أمة الإسلام” وتخلى عن اسمه القديم ليصبح “محمد علي”، مقيماً في شيكاغو بالقرب من قادة الجماعة، إلا أن رحلته الإيمانية لم تتوقف عند هذا الحد، فقد قرر لاحقاً اعتناق مذهب أهل السنة والجماعة، مكرساً وقته وجهده لتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الدين الإسلامي لدى الغرب، ومنخرطاً في الأعمال الخيرية والدعوية التي تعكس جوهر معتقده.

واجه البطل العالمي اختباراً مصيرياً خارج الحلبة عندما أعلنت الولايات المتحدة حربها على فيتنام؛ فرغم تصنيفه في البداية كغير مؤهل للخدمة، أُعيد تقييمه ليصبح مطلوباً للتجنيد، وهنا اتخذ محمد علي موقفاً شجاعاً نابعاً من ضميره ومعتقده الديني برفضه القاطع للمشاركة في حرب اعتبرها ظالمة وضد تعاليم القرآن، مؤكداً أنه لن يرفع السلاح في وجه أبرياء لم يؤذوه، وقد كلفه هذا الموقف الثابت تجريده من ألقابه، وحرمانه من الملاكمة لثلاث سنوات في ذروة شبابه، بالإضافة إلى صدور حكم بسجنه، قبل أن تنصفه المحكمة العليا عام 1971 وتقر بحقه في الامتناع عن القتال لأسباب أخلاقية ودينية.

عاد “علي” ليمارس شغفه بعد فترة الإيقاف، مسطراً ملاحم رياضية لا تُنسى، أبرزها مواجهاته التاريخية ضد جو فريزر التي عُرفت إحداها بـ”نزال القرن”، وتمكنه من قهر جورج فورمان ليستعيد لقبه المفقود، محققاً إنجازاً غير مسبوق كأول ملاكم في التاريخ يفوز بحزام الوزن الثقيل ثلاث مرات منفصلة أعوام 1964 و1974 و1978، وقد اختتم مسيرته الحافلة عام 1981 برصيد 56 انتصاراً، منها 37 بالضربة القاضية، مقابل خمس هزائم فقط أمام أسماء بارزة مثل فريزر ونورتون وهولمز، مما أهله لنيل لقب “رياضي القرن” في عدة استفتاءات عالمية متفوقاً على أساطير كرة القدم وغيرها.

على الصعيد الشخصي، كانت حياة محمد علي مليئة بالتفاصيل والعلاقات، حيث تزوج أربع مرات وأثمرت زيجاته عن تسعة أبناء؛ بدأت رحلته الزوجية مع “سونجي روي” التي انفصل عنها بسبب الخلاف حول الالتزام بالتقاليد الإسلامية، ثم ارتبط بـ”بيلندا بويد” التي غيرت اسمها إلى خليلة وأنجب منها أربعة أبناء، تلا ذلك زواجه من “فيرونيكا بورش” والدة ابنتيه هناء وليلى، قبل أن يستقر في محطته الأخيرة مع “يولندا علي” التي تبنى معها طفلاً، إضافة إلى زيجات أخرى غير موثقة قانونياً أثمرت عن ابنتين، مما يعكس جانباً آخر من حياته الإنسانية المتشعبة.

طوت الأسطورة صفحتها الأخيرة في الثالث من يونيو 2016، عندما توفي محمد علي عن عمر ناهز 74 عاماً بعد صراع طويل ومرير مع مرض الشلل الرعاش (باركنسون)، تاركاً خلفه إرثاً قانونياً تمثل في “قانون علي” الذي سنه الكونغرس لحماية حقوق الملاكمين، وذكرى رجل لم يكتفِ بتوجيه اللكمات داخل الحلبة، بل سدد ضربات قوية للظلم والعنصرية، مخلداً اسمه كواحد من أبرز الشخصيات المؤثرة في التاريخ الحديث.