لا يُقاس الانتماء في عالم الساحرة المستديرة بارتداء قميص أوحد طوال المشوار الرياضي، فهناك من اتخذوا من التنقل بين الملاعب منهجًا لصناعة التاريخ ونثر الإبداع. هؤلاء النجوم أثبتوا أن العطاء الكروي يمكن أن يمتد ليشمل عدة أندية، محولين مسيرتهم إلى رحلة غنية بالتجارب المتنوعة التي تترك أثرًا لا يُمحى. وفي الساحة الرياضية المصرية، يبرز اسم محمد ناجي “جدو” كأحد أهم من جسدوا هذا المفهوم خلال العقدين الماضيين، إذ لم يكتفِ بنقش اسمه بأحرف من ذهب داخل المستطيل الأخضر محليًا ودوليًا، بل امتد طموحه ليقتحم عالم الإدارة الفنية بخطى ثابتة.
انطلقت شرارة موهبة هذا النجم، المولود في خريف عام 1984، من ملاعب نادي دمنهور، قبل أن يلتقط فريق الاتحاد السكندري إبداعاته في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة. هناك، فرض نفسه بقوة كأحد أشرس المهاجمين، محرزًا اثنين وعشرين هدفًا خلال بضع وستين مواجهة. هذا التألق اللافت كان بمثابة تأشيرة عبور له للانضمام إلى صفوف القلعة الحمراء في مطلع عام 2010، حيث انخرط سريعًا في منظومة النادي الأهلي، ولعب دورًا محوريًا في حصد درع البطولة المحلية آنذاك متربعًا على عرش هدافي فريقه بالتشارك.
ولم تقتصر إسهاماته الجلية على المنافسات المحلية، بل امتدت لتشمل المجد القاري بشقيه؛ الأندية والمنتخبات. فقد حفر اسمه في ذاكرة عشاق الكرة الأفريقية عندما قاد الكتيبة الأهلاوية لمعانقة الأميرة السمراء في عام 2012 عبر أهداف حاسمة زلزلت شباك الخصوم. غير أن الملحمة الحقيقية التي جعلته أيقونة كروية تجلت في العرس الإفريقي للأمم عام 2010؛ فرغم اعتماده كورقة رابحة على دكة البدلاء طوال مسار البطولة، تمكن من اقتناص لقب الهداف بخمس ضربات قاضية، مانحًا الفراعنة تتويجًا إعجازيًا لا يُنسى.
شغف خوض التحديات قاده لاحقًا إلى عبور الحدود نحو الأجواء الإنجليزية المفعمة بالحماس من بوابة نادي هال سيتي في تجربة احترافية متميزة، ليعود بعدها باحثًا عن محطات جديدة في بلاده. استمر في تقديم عطائه المتدفق متنقلًا بين صفوف عدة فرق مصرية مثل الإنتاج الحربي، المقاولون العرب، والجونة، ناثرًا خبراته المتراكمة أينما حل.
ومع طي صفحة الركض خلف الكرة، رفض الابتعاد عن معشوقته الأولى، مختارًا الوقوف على الخطوط التكتيكية كموجه وصانع للخطط. وقد أثمر هذا التوجه السريع عن بصمة واضحة بانضمامه إلى الطاقم التدريبي لفريق بيراميدز أواخر صيف 2023، مكللًا مساعيه الجديدة بالصعود إلى منصات التتويج ومعانقة كأس مصر، لتكتمل بذلك لوحة فنية فريدة لمسيرة رياضية أبت أن تعترف بحدود الزمان أو تكتفي بلون واحد.
التعليقات