تتجاوز كرة القدم كونها مجرد رياضة تنافسية لتصبح مسرحاً تُصنع فيه الأساطير وتُخلد الذكريات، حيث تمنح الجماهير أبطالها ألقاباً تظل محفورة في وجدان الأجيال المتعاقبة. من بين هذه الأسماء الرنانة التي حفرت تاريخاً لا يُنسى، يبرز محمود الجوهري، الذي لم يستمد مكانته من موهبته الفذة داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل من صرامته وانضباطه الذي منحه لقب “الجنرال”. هذا الوصف المهيب لم يأتِ من فراغ، بل كان انعكاساً لواقع عاشه خارج الملاعب، إذ تقلد زياً عسكرياً وشارك في تسطير أمجاد حرب أكتوبر المجيدة، لينهي خدمته الوطنية برتبة عميد في سلاح الإشارة، وينقل تلك العقلية الاستراتيجية إلى عالم التدريب.

ورغم أن رحلته كلاعب لم تعمر طويلاً، حيث أجبرته إصابة بالغة في الرباط الصليبي على تعليق حذائه منتصف الستينيات بعد عقد واحد من التألق، إلا أن تلك الحقبة القصيرة كانت مفعمة بالإنجازات. فقد عانق الأمجاد المحلية بقميص ناديه محققاً ثمانية ألقاب كبرى، في حين حفر اسمه بأحرف من نور على الصعيد الدولي حين توج بلقب الهداف في العرس الأفريقي أواخر الخمسينيات بفضل ثلاثيته المذهلة في شباك إثيوبيا. وما يجعل مسيرته استثنائية حقاً، هو تفرده التاريخي كونه الشخصية الوحيدة التي عانقت الذهب القاري لاعباً، ثم عادت لترفع الكأس ذاتها كمدير فني مخضرم بعد عقود.

انطلق الداهية في مسيرته الفنية من القاعدة، حيث تولى صقل مواهب الناشئين ليضع حجر الأساس لجيل ذهبي تألق لاحقاً في حقبة التسعينيات. وتدرج في المناصب مروراً بتجارب تدريبية في الملاعب السعودية والإماراتية، لكن بصمته الأبرز محلياً تجلت حين قاد الدفة الفنية لفريقه الأم، لينجح في التتويج بالبطولات المحلية، والأهم من ذلك، قيادة الفريق لأول معانقة لكأس الأندية الأفريقية البطلة في تاريخه، ليثبت أن براعته التكتيكية تفوق موهبته كلاعب.

بلغت مسيرة “الجنرال” ذروتها المونديالية حين استلم قيادة المنتخب الوطني أواخر الثمانينيات، لينجح في فك العقدة ويحلق بالفراعنة نحو الأراضي الإيطالية في إنجاز تاريخي، أتبعه بحصد لقب عربي مهم. وعقب خروج درامي من تصفيات المونديال اللاحق دفعه للاستقالة، أحدث زلزالاً كروياً باتخاذه قراراً جريئاً بتدريب الغريم التقليدي. وفي ظرف موسم واحد فقط، انتشل الفريق من كبوته القارية وأهداه عرش أفريقيا للأندية بعد سنوات من الغياب، متوجاً إياه بأول سوبر أفريقي في سجلاته.

ولعل من أروع فصول دهاءه الكروي، تلك الخدعة النفسية التي مارسها قبل المعترك القاري أواخر التسعينيات، حين خفف الضغوط عن لاعبيه بتصريحات قللت من حظوظهم، ليفاجئ الجميع باكتساح البطولة وإعادة الكأس الغائبة لسنوات طويلة. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل شد الرحال نحو بلاد الشام ليقود ثورة كروية شاملة في الأردن، مؤسساً لمشروع رياضي متكامل جعل منه بطلاً قومياً هناك. ورغم الإغراءات المتكررة للعودة والإشراف على المنظومة الكروية في وطنه، آثر الوفاء لمشروعه الطموح الذي صنع طفرة غير مسبوقة في الكرة الأردنية.

وفي أواخر صيف عام ألفين واثني عشر، أسدل الستار على هذه المسيرة الأسطورية إثر أزمة صحية مباغتة في العاصمة الأردنية تطورت إلى مضاعفات شديدة. وقد تجسد حجم التقدير الاستثنائي لقيمته في مشهد الوداع، حيث أُقيمت له مراسم تشييع عسكرية مهيبة بحضور ملكي أردني رفيع، قبل أن تنقله طائرة خاصة إلى مسقط رأسه. وهناك، وارى الثرى وسط وداع مهيب امتزجت فيه دموع تلاميذه من نجوم الكرة المصرين والأردنيين بشغف الجماهير التي جاءت لتلقي النظرة الأخيرة على رجل استثنائي ترك إرثاً لا يندثر.