في العاصمة السورية دمشق، وتحديداً بين جنبات حي القنوات العريق، بدأت فصول حياة حافلة لرجل قُدّر له أن يترك بصمة لا تُمحى عبر الزمن. نشأ مدحت شيخ الأرض في بيئة علمية، حيث نهل من المعرفة حتى تخرج في المعهد الطبي العربي، لكن واقعه آنذاك لم يسمح له بالاكتفاء بممارسة الطب داخل العيادات؛ فقد تزامن شبابه مع الحملة الفرنسية على بلاد الشام، فتحول الطبيب إلى مقاوم يداوي جراح الثوار في “جبل العرب” ويشاركهم خنادق النضال. وعندما حانت لحظة التغيير، قرر مغادرة موطنه والتوجه شطر الحجاز، حاملاً طموحه وآماله للمساهمة في بناء مجد جديد، لتبدأ رحلة طويلة امتدت لأكثر من سبعة عقود.
شكلت لحظة وصوله إلى الرياض ولقائه بالملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن منعطفاً جوهرياً في مسيرته؛ ففي ذلك اللقاء الذي امتزجت فيه مشاعر الرهبة بالتقدير، وقف الطبيب الشاب أمام قائد عظيم رحب به بابتسامة وبشاشة، ليتم قبوله فوراً ضمن الكوادر الطبية العاملة في المملكة. لم يمضِ وقت طويل حتى نال الثقة الملكية ليصبح الطبيب الخاص للملك عبدالعزيز ومستشاره المؤتمن، مرافقاً إياه في حله وترحاله، وشاهداً على مرحلة تأسيسية هامة من تاريخ الدولة، كما استمر في خدمة ولي العهد الملك سعود بذات الإخلاص والتفاني.
بعد رحيل الملك المؤسس، لم تنتهِ رحلة العطاء، بل اتخذت مساراً مختلفاً انتقل فيه الدكتور مدحت من أروقة الطب إلى دهاليز السياسة والدبلوماسية. فقد عمل مستشاراً للملك سعود، ثم انطلق ليمثل المملكة في المحافل الدولية سفيراً لها، بادئاً مهامه في مدريد لمدة ست سنوات، ثم منتقلاً إلى طرابلس الغرب في ليبيا، ليحط رحاله بعدها في باريس سفيراً لمدة ثمانية أعوام، نسج خلالها علاقات وثيقة وعزز الحضور السعودي في الخارج.
وفي مطلع السبعينيات، كلفه الملك فيصل بن عبدالعزيز بمهمة ذات طابع أممي وإسلامي، بتعيينه ممثلاً للمملكة لدى الأمم المتحدة في جنيف. وهناك، تجاوز دوره العمل الدبلوماسي التقليدي ليؤسس مركزاً إسلامياً ثقافياً، ويشرف على تشييد مسجد كبير في قلب المدينة السويسرية، وهو الصرح الذي افتتحه الملك خالد بن عبدالعزيز عام 1977م، ليغدو منارة هداية ساهمت في تعريف الكثيرين بالإسلام. وبعد عمر مديد أفناه في التنقل بين ميادين القتال، والقصور الملكية، والمكاتب الدبلوماسية، توفي مدحت شيخ الأرض عام 2001، مخلداً اسمه في ذاكرة الوطن وتارواً شارعاً في الرياض يحمل اسمه تكريماً لمسيرته الاستثنائية.
التعليقات