بين أزقة دمشق العتيقة، وتحديداً في حي القنوات، انطلقت رحلة حياة استثنائية لشخصية جمعت بين مبضع الجراح وحنكة السياسي؛ إنه الدكتور مدحت شيخ الأرض. نشأ هذا الطبيب في بيئة علم وكفاح، فبعد تخرجه من المعهد الطبي العربي، لم يكتفِ بدور المعالج، بل انخرط في صفوف الثوار بجبل العرب لمقاومة الانتداب الفرنسي، يداوي الجراح بيد ويحمل السلاح بالأخرى. وحين أيقن أن طموحه يتجاوز الحدود، شد رحاله نحو الحجاز، تملؤه رغبة عارمة في تسطير اسمه ضمن صفحات التاريخ، والمساهمة في بناء مجد جديد.
كانت اللحظة الفارقة في مسيرته حين حظي بمقابلة الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود؛ دخل عليه والرهبة تملأ قلبه أمام هيبة القائد الذي وحد أطراف الجزيرة العربية، لكن ابتسامة الملك وتواضعه بددا ذلك التوتر سريعاً. عرض مدحت خدماته الطبية للعمل في مديرية الصحة، فما كان من الملك إلا أن رحب به ضمن الطاقم الطبي، ولم يمضِ وقت طويل حتى صدر أمر ملكي بتعيينه طبيباً ومستشاراً خاصاً للملك، ليبدأ فصلاً طويلاً من مرافقة القيادة في الحل والترحال، حيث شهدت أروقة قصر الحكم على سنوات خدمته الممتدة ومرافقته للملك وولي عهده.
لم تنتهِ رحلة العطاء بوفاة الملك المؤسس، بل استمر شيخ الأرض في موقعه مستشاراً للملك سعود، قبل أن يتحول مساره المهني نحو الدبلوماسية الدولية. فقد مثل المملكة سفيراً في مدريد لستة أعوام، ثم انتقل لتمثيلها في ليبيا لمدة عامين، ليستقر بعدها في باريس سفيراً لمدة ثماني سنوات، حاملاً رسالة بلاده إلى العواصم العالمية.
وفي مطلع السبعينيات، وتحديداً عام 1972، كلفه الملك فيصل بن عبدالعزيز بمهام تمثيل المملكة لدى الأمم المتحدة في سويسرا. وهناك، تجاوز دوره العمل السياسي ليشمل الجانب الدعوي والثقافي، حيث أسس منظمة ثقافية إسلامية وأشرف بتوجيه من الملك فيصل على تشييد مسجد كبير في جنيف. وقد افتتح الملك خالد هذا الصرح الإسلامي عام 1977، ليصبح منارة هداية ساهمت في اعتناق الكثيرين للإسلام. وبعد مسيرة حافلة امتدت لستة وسبعين عاماً من العطاء المتواصل، طويت صفحة هذا الطبيب والدبلوماسي بوفاته عام 2001، تخليداً لذكرى رجل ترك أثراً ملموساً من ميادين القتال في الشام إلى المحافل الدولية في أوروبا، واستحق أن يُخلّد اسمه على أحد شوارع العاصمة الرياض.
التعليقات