لم يعد احتساء القهوة مجرد عادة صباحية لطرد النعاس، بل أثبتت الأبحاث أنها قد تكون حليفاً قوياً لتعزيز الصحة وإطالة العمر، شريطة التعامل معها بذكاء. يكمن السر الحقيقي للاستفادة من هذا المشروب الشعبي في التوقيت؛ فبينما يساهم الاستهلاك المعتدل في دعم وظائف الجسم الحيوية، قد يتحول الأمر إلى نقيضه إذا تم تناولها في ساعات متأخرة، مما يؤدي إلى اضطرابات في النوم والتمثيل الغذائي وتوازن الهرمونات، لذا فإن الطريق نحو حياة صحية لا يتطلب التخلي عن القهوة، بل يتطلب فقط ضبط عقارب الساعة عند شربها.
تشير الأدلة العلمية المتراكمة إلى أن المواظبة على شرب القهوة ترتبط بانخفاض ملحوظ في احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة خطيرة، مثل داء السكري من النوع الثاني، واعتلالات الكبد، وأمراض القلب والشرايين، مما يقلل بدوره من مخاطر الوفاة المبكرة. يعود الفضل في هذه الخصائص الوقائية إلى غنى القهوة بمركبات حيوية فعالة ومضادات للأكسدة تعمل على مكافحة الالتهابات داخل الجسم، وحماية الأوعية الدموية، وتحسين استجابة الخلايا للأنسولين. وعادة ما يرتبط الحد الأمثل لجني هذه الثمار الصحية بتناول كميات معتدلة تتراوح بين كوبين إلى أربعة أكواب يومياً.
ومع ذلك، فإن هذه الفوائد ليست مطلقة، بل تظل مرهونة بموعد الجرعة الأخيرة من الكافيين. فتناول القهوة في فترات المساء أو قبل وقت قصير من النوم يُعد خطأً جسيماً يقع فيه الكثيرون؛ حيث يعمل الكافيين على كبح مادة الأدينوزين المسؤولة عن الشعور بالنعاس، مما يسبب إرباكاً للساعة البيولوجية للجسم ويحرم الفرد من النوم العميق والمريح. وتؤكد الدراسات الحديثة أن الحرمان من النوم الجيد يلغي التأثيرات الإيجابية للقهوة، بل ويزيد من مخاطر الإصابة بالسمنة والاضطرابات النفسية ومشاكل القلب، ولهذا السبب، يتمتع الأشخاص الذين يكتفون بشرب القهوة في الصباح بصحة قلبية وجسدية أفضل بكثير مقارنة بمن يوزعون استهلاكهم للكافيين على مدار اليوم حتى ساعات الليل.
التعليقات