مع اقتراب الشهر الفضيل، يجد المصابون بداء السكري أنفسهم أمام رغبة ملحة في أداء فريضة الصيام، إلا أن هذه الرغبة تتطلب موازنة دقيقة بين الجانب الروحي والواقع الصحي لتجنب أي انتكاسات محتملة. وتؤكد التوصيات الطبية العالمية أن القدرة على الصيام ليست قرارًا فرديًا، بل تعتمد بشكل كلي على استقرار الحالة الصحية، حيث يُنصح عادةً مرضى السكري من النوع الأول أو أولئك الذين يعانون من مضاعفات متقدمة بعدم الصيام، في حين يمكن لكثير من مرضى النوع الثاني خوض هذه التجربة بأمان شريطة الالتزام بخطة علاجية وغذائية محكمة.

تبدأ رحلة الصيام الآمن بزيارة ضرورية للطبيب قبل حلول الشهر الكريم لمراجعة معدلات السكر التراكمي وإعادة جدولة مواعيد الأدوية وجرعات الإنسولين بما يتناسب مع تغيير أوقات الطعام. وفيما يخص النظام الغذائي، يُشكل السحور حجر الزاوية في استقرار مستوى الجلوكوز، لذا يُفضل تأخيره قدر الإمكان واختيار أطعمة ذات امتصاص بطيء لتوفير الطاقة لفترة أطول، مع ضرورة عدم إهمال هذه الوجبة نهائياً لتفادي الهبوط المفاجئ للسكر خلال نهار رمضان.

وعند حلول موعد الإفطار، يجب أن يكون الاعتدال هو سيد الموقف، حيث ينبغي الابتعاد عن الأطعمة المشبعة بالدهون والسكريات المعقدة التي تسبب ارتفاعًا حادًا في السكر، واستبدالها بالخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات الصحية. ولا يقل شرب الماء أهمية عن الطعام، إذ يجب تعويض السوائل المفقودة بشرب كميات وفيرة من المياه موزعة على ساعات الليل، وتجنب العصائر المحلاة التي تزيد العطش وترفع السكر، بالإضافة إلى مراعاة توقيت النشاط البدني بحيث يكون خفيفاً ويُمارس بعد الإفطار لتجنب الإجهاد أثناء الصيام.

ومن الضروري أن يظل المريض يقظًا لمؤشرات جسده، وذلك عبر الفحص الدوري لمستوى السكر في الدم خلال ساعات الصيام، وهو إجراء لا يبطل الصوم بل يحمي النفس. وهناك خطوط حمراء تستوجب كسر الصيام فورًا ودون تردد، مثل انخفاض السكر إلى مستويات متدنية (أقل من 70 ملغ/دل) أو ارتفاعه بشكل خطير (يتجاوز 300 ملغ/دل)، أو عند الشعور بأعراض مقلقة كالدوار الشديد والتعرق وتشوش الرؤية، فالرخص الشرعية والتوجيهات الطبية تتفقان دائمًا على أن الحفاظ على النفس البشرية مقدم على أي فريضة إذا كان أداؤها يشكل ضررًا محققًا.