لفتت الشاشات الفضائية خلال الموسم الرمضاني لعام 2026 الأنظار نحو واحدة من القضايا الصحية ذات الأبعاد النفسية العميقة، وذلك بفضل الأداء اللافت للنجمة ريهام عبد الغفور في تجسيد شخصية “نرجس”. فقد نجح هذا الدور في تسليط الضوء على المعاناة الصامتة لمرضى الثعلبة، مبرزاً الأثر العاطفي القاسي الذي يتركه تساقط الشعر، لا سيما على النساء. هذا الطرح الدرامي الذكي أثار فضولاً واسعاً في أوساط المشاهدين، مما دفع الكثيرين للبحث بشغف عن خبايا هذا المرض، لفهم طبيعته ومسبباته وكيفية التعامل معه.

من الناحية الطبية، يُصنف هذا المرض على أنه خلل في المنظومة المناعية، حيث يحدث ارتباك داخلي يدفع دفاعات الجسم لمهاجمة بصيلات الشعر الخاصة به عن طريق الخطأ. تسفر هذه الهجمة الذاتية عن تساقط مفاجئ للشعر، مخلّفة بقعاً دائرية فارغة تتركز غالباً في الرأس أو الوجه. وعلى الرغم من القلق البالغ الذي يرافق هذه التغيرات الشكلية، يحرص الأطباء على طمأنة المصابين بأن أجسادهم لا تزال تحتفظ بصحتها العامة، إذ يقتصر تأثير الحالة في الغالب على تساقط الشعر دون أن يمتد ليسبب اعتلالات عضوية أخرى.

ورغم التطور العلمي، لا يزال السبب القطعي وراء هذا الاستنفار المناعي لغزاً، إلا أن الخبراء يربطونه بشبكة معقدة من العوامل المحفزة. يأتي في مقدمة هذه العوامل الاستعداد الجيني، إلى جانب الضغوط النفسية الحادة، وتزامن الحالة مع أمراض مناعية أخرى كالبهاق واضطرابات الغدة الدرقية أو حتى الحساسية المزمنة. ولا يقتصر هذا الاضطراب على شريحة بعينها؛ فهو يطال الجنسين بمختلف مراحلهم العمرية، غير أن الإحصاءات تشير إلى أن المراهقين والشباب في مقتبل العشرينيات هم الفئة الأكثر عرضة للمرض.

تتنوع المؤشرات التي تنذر بظهور الحالة، فقبل أن يبدأ الشعر في التساقط السريع، قد يشعر المصاب بوخز أو حكة في الجلد المستهدف. لا يتوقف الأمر عند حدود فروة الرأس، بل قد يمتد ليجرد الحواجب والرموش من شعيراتها، ويترافق أحياناً مع علامات تحذيرية تظهر على الأظافر على هيئة ندوب أو حفر دقيقة. وتتفاوت حدة المرض بين شكل شائع يقتصر على بقع محدودة، وآخر أشد شراسة يسقط معه كل شعر الرأس، وصولاً إلى حالات بالغة الندرة يفقد فيها المريض كافة أكسية الشعر في جسده بأكمله.

وفي خضم هذه التحديات، يبقى باب الأمل مفتوحاً على مصراعيه، إذ يمتلك الشعر قدرة مذهلة على النمو مجدداً في غضون أشهر، وتزداد احتمالات التعافي التلقائي إذا كانت المساحات المصابة صغيرة ولم تصاحبها تغيرات في الأظافر أو تاريخ وراثي معقد. والمثير للاهتمام أن الشعيرات الجديدة قد تنبت بلون أبيض ناصع قبل أن تسترد صبغتها الطبيعية تدريجياً. ورغم غياب ترياق سحري يقتلع المرض من جذوره، يوفر الطب الحديث ترسانة من الحلول الداعمة كالمراهم الموضعية، وحقن الكورتيزون، والمحفزات المناعية التي تسرع وتيرة الشفاء. ويبقى الاحتضان النفسي والدعم المعنوي حجر الزاوية في رحلة العلاج، وهو الجانب الإنساني الذي برعت الدراما في إيصاله للجمهور بصدق بالغ.