تلوح في الأفق بادرة أمل جديدة لمرضى الزهايمر، حيث نجح فريق بحثي سويدي في تطوير تقنية مبتكرة قد تقلب موازين التشخيص الطبي رأساً على عقب. تعتمد هذه الطريقة الرائدة، التي خرجت من مختبرات جامعة جوتنبرج، على أخذ عينة دم بسيطة للغاية عن طريق وخز الإصبع، مما يبشر بإنهاء حقبة الإجراءات المعقدة والمكلفة، ويفتح الباب واسعاً أمام اكتشاف المرض في مراحله الأولى وتوفير العلاج لملايين الأشخاص حول العالم.
ويأتي هذا الابتكار في توقيت حرج يعاني فيه القطاع الصحي عالمياً من فجوة كبيرة في رصد حالات الخرف، حيث تشير البيانات إلى أن شريحة واسعة من المرضى، كما هو الحال في بريطانيا، لا يحصلون على تشخيص رسمي، مما يحرمهم من الوصول إلى علاجات قد تكون طوق نجاة لهم. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الآليات المعتمدة حالياً، مثل التصوير الدماغى باهظ التكلفة أو سحب السائل النخاعي بطرق مؤلمة وتداخلية، تشكل عائقاً مادياً ولوجستياً كبيراً، مما يجعل التشخيص المبكر حلماً بعيد المنال للكثيرين.
وفي إطار السعي لتجاوز هذه العقبات، ركزت الدراسة التي شملت أكثر من 300 مشارك على تتبع بروتين حيوي دقيق يُعرف باسم “p-tau217”. وتكمن أهمية هذا المركب في كونه مرآة تعكس ما يدور داخل الدماغ؛ إذ يرتبط وجوده بشكل مباشر بتراكم بروتينات الأميلويد والتاو التي تميز مرض الزهايمر. وقد وجد العلماء أن مستويات هذا البروتين في الدم ترتفع بالتوازي مع تقدم المرض، مما يجعله مؤشراً حيوياً عالي الدقة.
وقد أظهرت النتائج تطابقاً مذهلاً بين تحليل وخز الإصبع البسيط وتحاليل الدم التقليدية، حيث تمكنت هذه التقنية من رصد التغيرات البيولوجية بدقة تجاوزت 86% مقارنة بفحوصات السائل النخاعي المعقدة. وما يزيد من جاذبية هذا الابتكار هو سهولة استخدامه، إذ استطاع المشاركون إجراء الاختبار بأنفسهم داخل منازلهم دون الحاجة إلى مساعدة طبية متخصصة، مما يعزز من فرص استخدامه على نطاق واسع مستقبلاً.
ويرى الخبراء أن هذه النتائج تمهد الطريق لتطبيق برامج فحص شاملة للسكان، مما يتيح تحديد الأشخاص المعرضين للخطر في مراحل مبكرة جداً والتدخل العلاجي قبل تفاقم الأعراض التي تشمل عادةً ضعف الذاكرة واضطرابات اللغة والتفكير. وتكتسب هذه الخطوة أهمية قصوى في ظل التوقعات بتضاعف أعداد المصابين بالخرف خلال العقدين المقبلين، حيث يشكل الزهايمر النسبة الأكبر من هذه الحالات.
ورغم التفاؤل الكبير الذي يحيط بهذا الإنجاز العلمي، يشدد الباحثون على ضرورة التريث وإجراء المزيد من الدراسات للتحقق من كفاءة تقنية عينات الدم المجففة قبل اعتمادها رسمياً في الأنظمة الصحية. وفي هذا السياق، تؤكد المؤسسات المعنية برعاية مرضى الزهايمر أن تسريع وتيرة التشخيص وتطوير أدواته يتطلب تعاوناً وثيقاً بين المجتمع العلمي والجهات الحكومية، لضمان عدم تأخر الدعم الطبي عن المحتاجين وتغيير الواقع الحالي للصحة العقلية.
التعليقات