تسعى الجهود العلمية الحثيثة في ولاية نيويورك إلى فتح آفاق علاجية جديدة لمواجهة مرض الزهايمر، حيث يركز فريق من الخبراء في معهد “كولد سبرينج هاربور” على استهداف إنزيم محدد يُعتقد أن له دوراً محورياً في تراجع القدرات الذهنية. وقد أزاحت دراسة علمية حديثة الستار عن مسار واعد يمكن من خلاله إبطاء وتيرة التدهور المعرفي وفقدان الذاكرة المصاحب لهذا الاضطراب العصبي، وذلك عبر التركيز على تثبيط عمل إنزيم يُعرف اختصاراً بـ “PTP1B”.
أثبتت التجارب المخبرية التي أُجريت على نماذج حيوانية أن هذا الإنزيم يلعب دوراً سلبياً مؤثراً في آلية عمل الإشارات داخل الخلايا المناعية، مما يفاقم من تدهور الذاكرة. ومن هنا، توصل الباحثون إلى أن تقليص نشاط “PTP1B” يمثل استراتيجية فعالة؛ إذ يؤدي ذلك إلى تحفيز الخلايا المناعية في الدماغ – المعروفة بالخلايا الدبقية الصغيرة – لاستعادة نشاطها وقدرتها على تنظيف المخ من الرواسب البروتينية الضارة المتمثلة في لويحات “الأميلويد بيتا”، والتي تعد إحدى العلامات البيولوجية الرئيسية للمرض.
تأتي هذه النتائج تتويجاً لسنوات طويلة من البحث قادها البروفيسور نيكولاس تونكس، الذي عكف على دراسة خصائص هذا الإنزيم وتأثيراته الصحية منذ اكتشافه أواخر الثمانينيات. وقد لاحظ فريقه البحثي، بمشاركة الباحث يوكسين سين، أن الخلايا الدبقية التي تعمل عادة كجهاز تنظيف للمخ، تصاب بحالة من “الإنهاك” وتفقد فاعليتها كلما تقدم المرض. إلا أن السيطرة على الإنزيم المذكور تعزز التفاعل مع بروتين آخر يُدعى “SYK”، مما يعيد لهذه الخلايا حيويتها ويجعلها أكثر كفاءة في إزالة التراكمات السامة والاستجابة للإصابات العصبية.
وفي الوقت الذي تعتمد فيه البروتوكولات الطبية الحالية، وفقاً للمعايير الصحية الدولية، على فئات دوائية محددة مثل مثبطات الكولينستراز أو مضادات مستقبلات “NMDA” للتعامل مع الأعراض في مراحلها المختلفة، يطمح القائمون على هذه الدراسة إلى تحقيق نقلة نوعية. فالهدف الأساسي للبحث يتجاوز مجرد التخفيف المؤقت للأعراض، ليصل إلى محاولة إبطاء مسار تطور المرض بشكل فعلي، وهو ما سينعكس إيجاباً على تحسين جودة حياة المرضى.
تكتسب هذه الاكتشافات أهمية قصوى بالنظر إلى الواقع الصحي العالمي، حيث تشير البيانات إلى وجود أكثر من 55 مليون شخص يتعايشون مع الخرف، ويُشكل الزهايمر النسبة الأكبر من هذه الحالات. ويُعد المختبر الذي يحتضن هذه التجارب في منطقة “لونج آيلاند” مؤسسة رائدة في مجال الأبحاث غير الربحية، حيث تتنوع اهتماماته لتشمل مجالات حيوية دقيقة كعلم الأعصاب والجينوم والأورام والبيولوجيا الكمية، مسخراً إمكانياته لفهم أعقد التحديات الطبية.
التعليقات