يتربع السكري من النوع الثاني على قائمة التحديات الصحية المزمنة الأكثر شيوعاً في عالمنا اليوم، ورغم انتشاره الواسع، إلا أن الصورة الذهنية المتعلقة به لا تزال مشوشة لدى الكثيرين بسبب تداول معلومات غير دقيقة. ومن أبرز الأفكار المغلوطة حصر أسبابه الرئيسية في الإفراط في تناول الحلويات والسكريات فقط، بينما الحقيقة العلمية تشير إلى أن جوهر المشكلة يكمن في “مقاومة الإنسولين”؛ حيث تفقد خلايا الجسم قدرتها على التفاعل بفعالية مع هذا الهرمون، مما يؤدي لتراكم الجلوكوز في الدم. وتتضافر عوامل أخرى لتزيد من احتمالية الإصابة، أبرزها الاستعداد الوراثي، وزيادة الوزن، ونمط الحياة الخامل، فضلاً عن العادات الغذائية غير المتوازنة.
وعلى صعيد التشخيص، فإن هذا الداء يتسم بطبيعته الصامتة والمخادعة، إذ قد يتعايش معه الشخص لسنوات طويلة دون أن يدرك إصابته لغياب الأعراض الواضحة في المراحل الأولى. وقد تظهر علامات تحذيرية يسهل تجاهلها، مثل الشعور المستمر بالعطش، أو الحاجة المتكررة لدخول الحمام، بالإضافة إلى الإحساس بالإعياء الدائم وبطء التئام الجروح والكدمات؛ ولهذا السبب يُنصح دائماً بإجراء الفحوصات الطبية الدورية، لا سيما للأشخاص الذين يمتلكون عوامل خطورة مرتفعة.
والجانب المشرق في التعامل مع هذا التحدي الصحي هو إمكانية الوقاية منه أو على الأقل تأخير ظهوره بشكل فعال من خلال تبني تغييرات جذرية في أسلوب الحياة. فقد أثبتت الأدلة الطبية أن فقدان نسبة بسيطة من الوزن تتراوح بين 5 إلى 7%، والمواظبة على نشاط بدني معتدل لمدة ساعتين ونصف أسبوعياً، مع التركيز على الأغذية الغنية بالألياف وتقليل الدهون الضارة، يمكن أن يخفض خطر الإصابة بنسبة كبيرة قد تصل إلى النصف.
وفيما يخص البروتوكول العلاجي، يسود اعتقاد خاطئ بأن جميع المصابين بحاجة فورية لحقن الإنسولين، وهو أمر غير دقيق؛ فهذا النوع يختلف عن النوع الأول. حيث ينجح قطاع عريض من المرضى في ضبط مستويات السكر من خلال الحمية الغذائية والرياضة فقط، أو بمساعدة الأقراص الدوائية، ولا يتم اللجوء إلى الإنسولين إلا كخيار لاحق في حال لم تفلح الوسائل الأخرى في تحقيق السيطرة المطلوبة.
أخيراً، يجب النظر إلى السكري بصفته مرضاً جهازياً يؤثر على الجسم بأكمله وليس مجرد أرقام في تحاليل الدم؛ فإهمال علاجه قد يفتح الباب لمضاعفات خطيرة تطال القلب والشرايين، وتؤثر على وظائف الكلى وسلامة الأعصاب والإبصار. وبالتوازي مع العلاج الطبي، تلعب الصحة النفسية وجودة النوم دوراً محورياً، حيث يؤدي التوتر المزمن وقلة النوم إلى اضطرابات هرمونية تعيق ضبط السكر، مما يجعل إدارة الضغوط والحصول على قسط كافٍ من الراحة جزءاً لا يتجزأ من الخطة العلاجية الشاملة.
التعليقات