ينسلّ واحد من أشد الأمراض فتكاً بحاسة الرؤية في هدوء تام ليختلس أغلى ما يملك الإنسان، وهو ما جعله يستحق بجدارة لقب “لص النظَر”. فهذه الحالة التي تُعرف طبياً بالجلوكوما، وتُسمى شعبياً بالمياه الزرقاء، لا تمت بصلة لتغير لون حدقة العين كما يظن العوام. ووفقاً لما يوضحه استشاري طب العيون الدكتور أحمد حسنين، فإن جوهر هذه العلة يكمن في حدوث تلف تدريجي يصيب العصب البصري، إما نتيجة لاحتباس السوائل وارتفاع الضغط داخل مقلة العين، أو بسبب قصور في الإمداد الدموي الواصل للعصب. وتكمن خطورة هذا الداء في قدرته الفائقة على التخفي، حيث يعمل على تدمير أنسجة العين وإضعاف مجال الرؤية شيئاً فشيئاً دون أن يطلق أي جرس إنذار أو يسبب ألماً يُذكر في مراحله الأولى، ليجد المريض نفسه في النهاية أمام شبح العمى التام إن لم يتدارك الموقف.

وتتعدد الفخاخ التي تمهد الطريق لوقوع الشخص فريسة لهذا الداء الصامت، وتزداد احتمالات الإصابة كلما تقدم الإنسان في العمر، وتحديداً عند تخطي عتبة العقد الرابع. كما تلعب الوراثة دوراً محورياً في تناقل الاستعداد للمرض بين أفراد العائلة الواحدة. ولا تقتصر المسببات على ذلك، بل تمتد لتشمل المعاناة من اضطرابات مزمنة كداء السكري وارتفاع ضغط الدم، فضلاً عن الأثر السلبي للاستهلاك المفرط والمطول لمشتقات الكورتيزون، أو وجود عيوب انكسارية شديدة كقصر النظر أو طوله. ورغم صمت المرض في بداياته، إلا أنه يضطر لكشف أوراقه في المراحل المتقدمة، حيث يبدأ المصاب في ملاحظة انحسار في أطراف مجاله البصري، وتغيم عام في الرؤية، مع ظهور دوائر ضوئية ملونة تحيط بمصادر الإنارة. وفي بعض الأنماط الحادة، قد يترافق ذلك مع نوبات من الصداع العنيف، والغثيان، وأوجاع قاسية تضرب مقلة العين ذاتها.

وأمام هذا الزحف المدمر، تقف الحقيقة الطبية لتؤكد أن ما يفسده هذا اللص لا يمكن إصلاحه؛ فالأجزاء التي تضررت من العصب البصري يستحيل ترميمها أو إعادتها للحياة. إلا أن الطب الحديث يمتلك ترسانة من الحلول الدفاعية القادرة على كبح جماح المرض ووقف مساره، وتتنوع هذه الأسلحة بين القطرات الموضعية الخافضة للضغط، والعقاقير، وصولاً إلى تسليط أشعة الليزر أو اللجوء للخيارات الجراحية متى دعت الحاجة. ومن هنا، يبرز الدور الجوهري للتشخيص المبكر كطوق نجاة حقيقي، مما يجعل الفحص الدوري الشامل للعين ضرورة لا غنى عنها، لا سيما للفئات الأكثر عرضة للخطر. ولتحصين هذه النعمة الغالية، يتوجب على الفرد تبني نهج وقائي صارم يعتمد على المراقبة المستمرة لضغط العين، والسيطرة الحازمة على الأمراض المزمنة، مع الالتزام التام بعدم تعاطي أي أدوية دون إشراف طبي متخصص. ويتعزز هذا الدرع الواقي باتباع عادات يومية صحية، وعدم إغفال ارتداء النظارات الشمسية الموثوقة لحجب الأشعة الضارة، لتبقى نافذة الإنسان على العالم واضحة ومشرقة.