يُصنَّف مرض السعار كواحد من أشد الكوابيس الفيروسية فتكاً في العالم، حيث نبهت الدكتورة سماح نوح إلى خطورته البالغة، واصفة إياه بالمرض الذي لا رجعة فيه بمجرد تمكنه من الجسد وظهور أعراضه، مما يجعله حكماً مؤكداً بالنهاية الحتمية. وتشير الإحصائيات العالمية إلى أن هذا الفيروس يحصد أرواح عشرات الآلاف سنوياً، في مأساة تتكرر ما بين 55 إلى 59 ألف مرة، مستهدفاً الكائنات ذات الدم الحار بلا استثناء، لتصبح جميعها أوعية محتملة لنقل العدوى إلى البشر.
وتكمن الطبيعة المرعبة لهذا الفيروس في استراتيجيته الفريدة للهجوم؛ فهو لا يسلك الطرق التقليدية عبر الدورة الدموية، بل يزحف عبر المسارات العصبية كغادٍ خفي يستهدف مركز القيادة في المخ مباشرة، وهذا المسار العصبي هو سر خطورته وصعوبة تداركه. وتتنوع مصادر الخطر من حولنا، بدءاً من الخفافيش التي تعد مستودعاً رئيسياً للعدوى، وصولاً إلى الحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط، حيث تشكل الأخيرة خطراً خاصاً نظراً لرشاقتها وقدرتها على الاقتراب والاحتكاك المفاجئ بالبشر. كما أن الفترة التي يكمن فيها الفيروس داخل الجسم قبل الإفصاح عن نفسه تظل لغزاً متغيراً، فقد تظهر الشرور خلال أيام، وقد تختبئ لسنوات، وذلك يعتمد بشكل كلي على موقع الإصابة ومدى قربها من الجهاز العصبي المركزي، بالإضافة إلى كثافة الحمل الفيروسي المتسلل.
ومن السمات المميزة لهذا الداء، ارتباطه الوثيق بالخوف من الماء، أو ما يُعرف بـ “رهاب الماء”، وهي تسمية تصف حال أغلبية المصابين الذين يفقدون السيطرة على عضلات البلع نتيجة الشلل، مما يجعل مجرد رؤية الماء مصدراً للرعب والتوتر. وتتدهور حالة المصاب عبر تسلسل درامي مؤلم، يبدأ بتغيرات سلوكية غامضة في الأيام الأولى، سرعان ما تتحول إلى نوبات من الهياج والعنف الشديد، لتنتهي المرحلة الأخيرة بالهدوء القاتل، حيث يصيب الشلل عضلات الفك والبلعوم، فيعجز المريض عن تناول أي شيء أو حتى إغلاق فمه، ليفارق الحياة بعدها في غضون أيام قليلة.
وأمام هذه السوداوية، يبقى الوعي وسرعة التصرف طوق النجاة الوحيد؛ فاللحظات الأولى عقب التعرض للعض أو الخدش هي الفاصلة بين الحياة والموت. وتتمثل الخطوة الذهبية في غسل موضع الإصابة فوراً وبكثافة بالماء والصابون، واستخدام المطهرات القوية، قبل الانطلاق بأقصى سرعة إلى أقرب منشأة طبية. ويحذر الخبراء من التهاون أو تأخير تلقي المصل واللقاح لأكثر من ثلاثة أيام، مشددين على ضرورة الالتزام الصارم بالبروتوكول العلاجي الحديث الذي يتضمن أربع جرعات مجدولة بدقة على مدار شهر تقريباً، لأن إهمال أي جرعة أو تجاهل الإصابة ظناً بأنها بسيطة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تظهر ولو بعد حين، فالسعار عدو صامت يغزو الأعصاب، والوقاية المبكرة هي السلاح الأوحد لصده.
التعليقات