تشير التقديرات الطبية الحديثة إلى وجود خلط كبير وشائع في تشخيص الاضطرابات المعوية، حيث يعيش ملايين المرضى لسنوات تحت وطأة الاعتقاد بإصابتهم بمتلازمة القولون العصبي، بينما يكمن السبب الحقيقي لمعاناتهم في خلل بكتيري يُعرف بفرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة. هذا التشابه الكبير في الأعراض لا يؤدي فقط إلى استمرار الألم، بل قد يحرم المريض من العلاج الصحيح، مما يفتح الباب أمام مضاعفات صحية أكثر خطورة تتجاوز الجهاز الهضمي لتشمل سوء امتصاص العناصر الغذائية، مشكلات في وظائف الكلى، وارتفاع احتمالات الإصابة ببعض الأورام الخبيثة إذا أُهملت الحالة طويلاً.

تكمن جذور هذه المشكلة في اختلال التوازن البيولوجي الدقيق داخل الجهاز الهضمي؛ ففي الحالات الطبيعية، يُفترض أن تكون الأمعاء الدقيقة بيئة شبه خالية من الكثافة البكتيرية التي تستوطن عادةً الأمعاء الغليظة. ولكن عندما تتسلل هذه الكائنات الدقيقة وتتكاثر في غير موضعها الطبيعي، تبدأ في منافسة الجسم على الغذاء وتخميره، وتنتج عن هذه العملية الكيميائية غازات كثيفة تؤدي إلى انتفاخات مؤلمة، إسهال مزمن، وفقدان غير مبرر للوزن، وهي علامات تتطابق إلى حد كبير مع شكاوى مرضى القولون، مما يجعل التمييز بين الحالتين أمراً معقداً يتطلب دقة طبية.

وتتضافر عدة عوامل لتمهيد الطريق لهذا الغزو البكتيري، يأتي في مقدمتها ضعف خط الدفاع الأول للمعدة، والمتمثل في انخفاض مستويات الحمض المسؤول عن تعقيم الطعام، سواء كان ذلك لسبب فسيولوجي أو نتيجة الاستخدام المفرط لأدوية الحموضة الشائعة. وعلاوة على ذلك، يلعب “ركود” حركة الأمعاء دوراً محورياً في تفاقم الحالة؛ فأي بطء في مرور الطعام عبر القناة الهضمية يمنح البكتيريا فرصة ذهبية للاستقرار والتكاثر، وهذا ما يفسر شيوع الحالة بين مرضى السكري، كبار السن، ومن خضعوا لجراحات معوية، أو حتى مستخدمي علاجات التنحيف الحديثة التي تبطئ الهضم، بالإضافة إلى وجود تشوهات تشريحية كالجيوب المعوية التي تعمل كمخابئ آمنة لتلك الجراثيم.

للكشف عن هذا الاضطراب الخفي، يلجأ الأطباء عادةً – بعد التأكد من عدم وجود أمراض عضوية خطيرة – إلى وسائل تشخيصية محددة مثل اختبارات التنفس لرصد غازات الهيدروجين والميثان الناتجة عن التخمّر، أو الفحص بالمنظار وسحب عينة معوية وهو الإجراء الأكثر دقة. ومع ذلك، لا تزال هذه الفحوصات محل نقاش في الأوساط الطبية، حيث ينقسم الخبراء بين من يرى أن الحالة لا تُشخَص بما يكفي، ومن يحذر من المبالغة في التشخيص بسبب احتمالية عدم دقة بعض الاختبارات، مما يستدعي التريث وطلب استشارة طبية دقيقة عند استعصاء الأعراض.

وفيما يتعلق باستراتيجيات العلاج، فإنها تعتمد على خطة مزدوجة تهدف إلى استعادة التوازن المفقود. يبدأ الشق الأول غالباً باستخدام مضادات حيوية متخصصة لتقليص أعداد البكتيريا المتطفلة، وقد يلجأ البعض لخيارات طبيعية بديلة أثبتت فعاليتها مثل مستخلصات الأوريجانو والبربرين. ويسير هذا جنباً إلى جنب مع الشق الغذائي الذي يركز على “تجويع” البكتيريا عبر حمية صارمة تستبعد الأطعمة سريعة التخمّر، مثل القمح، البقوليات، منتجات الألبان، وبعض أنواع الخضار والفاكهة، بهدف قطع مصادر الغذاء عن البكتيريا وتخفيف حدة الأعراض بشكل تدريجي.