مع حلول الشهر الفضيل، يتجدد الجدل السنوي في أذهان المصابين بداء السكري حول قدرتهم على أداء فريضة الصيام دون تعريض حياتهم للخطر، والواقع أن الأمر ليس قراراً عشوائياً بل معادلة صحية دقيقة تتطلب موازنة بين الرغبة في العبادة والقدرة الجسدية. ويشير خبراء التغذية العلاجية إلى أن التعديل الجذري في الروتين اليومي ومواعيد تناول الطعام لفترات طويلة قد يضع الجسم أمام تحديات كبرى، ما لم يتم ذلك وفق خارطة طريق طبية محكمة تجنب المريض مخاطر التذبذب الحاد في مستويات السكر بالدم.

الخطوة الأولى والأهم في رحلة الصيام الآمن تبدأ من عيادة الطبيب المختص، حيث يجب الحصول على ضوء أخضر قبل البدء، لا سيما لأولئك الذين يعتمدون كلياً على الإنسولين أو من يعانون من مضاعفات صحية مرافقة تتعلق بالقلب أو الكلى، فالقرار هنا يعتمد على الحالة الفردية لكل شخص. وبالتوازي مع ذلك، يجب التخلص من المعتقدات الخاطئة بأن استخدام أجهزة قياس السكر قد يبطل الصيام؛ بل على العكس، تعد هذه الأجهزة هي البوصلة التي تحمي المريض، حيث ينبغي إجراء فحوصات دورية قبل مدفع الإفطار، وبعد تناول الطعام بساعتين، وقبيل وقت السحور، وعند الشعور بأي توعك، مع ضرورة كسر الصيام فوراً إذا سجلت القراءات انخفاضاً دون حاجز السبعين أو ارتفاعاً يتجاوز الثلاثمائة، حمايةً للجسم من صدمات قد لا تُحمد عقباها.

وفيما يخص النظام الغذائي، فإن إدارة الوجبات تلعب دور البطولة؛ إذ يجب المبادرة بكسر الصيام فور حلول الموعد وعدم التأخير، ويفضل البدء بتهيئة المعدة بتمرة واحدة وكوب من الماء، ثم الانتظار قليلاً قبل استكمال الوجبة الرئيسية. أما وجبة السحور فتعتبر “خزان الوقود” لليوم التالي، لذا يُحظر تفويتها، ويجب أن تكون غنية بالعناصر التي تُهضم ببطء مثل البروتينات والألياف والحبوب الكاملة، مع الابتعاد تماماً عن الحلويات والمعجنات التي تمنح طاقة وهمية سريعة الزوال وتتسبب في تقلبات حادة في مستوى الجلوكوز.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال الجانب الدوائي، فمع تغير الساعة البيولوجية ومواعيد الأكل، يصبح من الضروري إعادة جدولة الأدوية وجرعات الإنسولين تحت إشراف طبي دقيق، وتجنب الاجتهاد الشخصي في تعديل الجرعات. ويرافق ذلك أهمية قصوى لتروية الجسم بالسوائل خلال ساعات الإفطار لتعويض الجفاف الذي قد يفاقم لزوجة الدم وتركيز السكر، مع ضرورة استبدال العصائر المحلاة والمشروبات الغازية بالماء النقي. ومن الناحية الحركية، يفضل ادخار الجهد البدني الشاق خلال ساعات النهار لتجنب الهبوط المفاجئ، وتأجيل الأنشطة الرياضية الخفيفة كالمشي إلى فترة المساء بعد هضم وجبة الإفطار، مما يعزز عمل الإنسولين في الجسم.

أخيراً، يجب على المريض أن يكون يقظاً للرسائل التي يرسلها جسده، فظهور أعراض مثل الارتعاش، والتعرق البارد، وتسارع النبض قد ينذر بهبوط السكر، بينما يشير العطش المفرط والصداع إلى ارتفاعه، وتجاهل هذه العلامات قد يكون كارثياً. وفي حالات محددة، مثل الحوامل المصابات بالسكري، أو مرضى النوع الأول غير المستقر، أو من لديهم تاريخ من الهبوط المتكرر، فإن الامتناع عن الصيام يعد ضرورة طبية ورخصة شرعية تهدف في المقام الأول إلى حفظ النفس البشرية من التهلكة.