لم يعد تجاوز معدلات الجلوكوز في الدم للحدود الآمنة مقتصرًا على المصابين فعليًا بداء السكري، بل بات خطرًا صامتًا يداهم الكثيرين. وفي هذا السياق، تشير الدكتورة هناء جميل، استشارية الباطنة والغدد الصماء، إلى أن الجسد يمتلك لغته الخاصة في التعبير عن هذا الخلل، حيث يبدأ في إطلاق إشارات تحذيرية تستوجب الانتباه قبل تفاقم الوضع الصحي وتحوله إلى مضاعفات يصعب تداركها.

من أبرز هذه الدلالات الفسيولوجية دخول الجسم في حالة من الجفاف المستمر، حيث يجد الشخص نفسه مضطرًا لشرب كميات كبيرة من الماء دون الشعور بالارتواء الكامل، تزامناً مع حاجة ملحة ومتكررة للتبول، وخصوصًا خلال ساعات الليل؛ ويعود ذلك إلى محاولة الكلى المستميتة لطرد السكر الزائد عبر البول، مما يستنزف سوائل الجسم. وتترافق هذه الحالة مع شعور متناقض بالجوع الشديد والرغبة العارمة في تناول النشويات والحلويات، فالخلايا تظل “جائعة” ومحرومة من الطاقة لعدم قدرتها على امتصاص الجلوكوز المتراكم في الدم، مما يدفع الدماغ لإرسال إشارات مستمرة بطلب الطعام.

وعلى الرغم من تناول الطعام بشراهة أحيانًا، قد يلاحظ البعض فقدانًا مفاجئًا وغير مبرر للوزن؛ إذ يلجأ الجسم، في ظل عجزه عن استخدام السكر كوقود، إلى حرق مخزونه الاستراتيجي من الدهون والعضلات للحصول على الطاقة، مما يخلف شعورًا دائمًا بالوهن، الخمول، والإعياء الشديد دون بذل مجهود بدني يذكر. كما يمتد التأثير السلبي ليطال حاسة البصر، حيث يؤدي ارتفاع السكر إلى تغيرات في سوائل عدسة العين، مما يسبب تشوشًا مؤقتًا في الرؤية وضبابية في النظر قد تتطور لمشاكل أكبر إذا أهملت.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تظهر علامات أخرى تتعلق بضعف مناعة الجلد وكفاءة الدورة الدموية، مثل بطء التئام الجروح والخدوش البسيطة التي تأخذ وقتًا أطول من المعتاد للشفاء، فضلاً عن تكرار الإصابة بالالتهابات الفطرية والبكتيرية سواء في الجلد أو المسالك البولية. إضافةً إلى ذلك، يعد الشعور بتنميل أو وخز مستمر في الأطراف كالقدمين واليدين جرس إنذار مبكر لبداية تضرر الأعصاب. وبناءً على ذلك، يشدد الأطباء على ضرورة عدم تجاهل هذه الأعراض مجتمعة، والمسارعة لإجراء الفحوصات المخبرية، خاصة للأشخاص الذين يعانون من قلة الحركة، السمنة، أو لديهم تاريخ وراثي مع اضطرابات التمثيل الغذائي.