تتجاوز متعة كرة القدم مجرد الركض خلف الكرة أو إحراز الأهداف، لتصبح ذاكرة حية تنبض بحكايات المدرجات وأهازيج المشجعين التي تخلد أبطالها بأسماء حركية تلتصق بهم للأبد. وفي تاريخ الكرة المصرية، تبرز العديد من هذه الأيقونات التي حفرت أسماءها في القلوب، ومن بين هؤلاء يطل علينا نجم النادي المصري البورسعيدي الراحل، مسعد نور، الذي عُرف بين محبيه بلقب ارتبط بملامحه الشخصية أكثر من أي شيء آخر.
لقد أطلق عشاق الساحرة المستديرة في المدينة الباسلة على لاعبهم المفضل اسم “الكاستن”، تشبيهاً بلون بشرته السمراء المميزة التي تماثل لون ثمرة أبو فروة اللذيذة. ولم يكن هذا الأسمر الفاتن مجرد لاعب عابر، بل نصب نفسه أسطورة تهديفية، محتلاً وصافة الهدافين التاريخيين لفريقه في البطولة المحلية بإحرازه سبعة وثمانين هدفاً، ليقف شامخاً خلف الأسطورة السيد الضظوي، فضلاً عن ارتدائه قميص المنتخب الوطني وتمثيله المشرف لبلاده.
المفارقة العجيبة في مسيرة هذا الهداف البارع، التي انطلقت أواسط الستينيات من بوابة نادي بورفؤاد للناشئين، أنه لم يكن مهاجماً في الأصل، بل كان يقف حارساً للعرين. وفي إحدى الحصص التدريبية، قادته فطرته الكروية للانطلاق بالكرة من منطقته، متجاوزاً كل من قابله ليودع الكرة في الشباك المقابلة. هذا المشهد المذهل دفع مدربه حينها، الراحل جابر موسى، لتغيير مساره بالكامل، مانحاً إياه القميص رقم عشرة مع وصية قاطعة بألا يتخلى عن هذا الرقم الهجومي طيلة حياته.
وبسبب الظروف السياسية وفترة التهجير، ارتحل المهاجم الشاب نحو العاصمة لينضم إلى قطاع الناشئين بالقلعة البيضاء، حيث زامل نخبة من نجوم المستقبل أمثال محمود سعد وفاروق جعفر وعلي خليل ومحمود الخواجة. لكن نداء الانتماء كان أقوى؛ فبمجرد هدوء الأوضاع واستقرارها في بورسعيد، أصر على العودة لمعانقة قميص النادي المصري، طالباً من إدارة الزمالك السماح له بالرحيل ليبدأ رحلة المجد مع فريق مدينته.
وشهدت انطلاقة السبعينيات التوهج الحقيقي لـ “الكاستن”، حيث واجه فريقه السابق في أول ظهور رسمي له بقميص المصري، وأبى إلا أن يترك بصمته بتسجيل هدف قاتل في اللحظات الأخيرة، أنقذ به فريقه لتنتهي المواجهة بالتعادل الإيجابي بهدفين لكل شبكة. واستمرت ماكينة الأهداف في العمل بكفاءة عالية، لتبلغ ذروتها في منتصف العقد، حينما زار الشباك إحدى وعشرين مرة خلال إحدى وثلاثين مواجهة، ليحجز لنفسه مقعداً بين كبار الهدافين في المركز الثالث، خلف قامتين بحجم محمود الخطيب وحسن الشاذلي. وبعد رحلة عطاء حافلة، علق حذاءه الرياضي معتزلاً في منتصف الثمانينيات، قبل أن يودع دنيانا في ربيع عام ألفين وإحدى عشر بعد معاناة مع المرض، تاركاً خلفه ستة عقود من الذكريات التي لا تمحى وتاريخاً يروى للأجيال.
التعليقات