لا تزال النقاشات مستمرة وتتصاعد حول الطبيعة الشرعية لمشروبات الطاقة، وذلك عقب التوضيحات الصادرة عن أمانة الفتوى التي ربطت حكم تناولها بمدى تأثيرها السلبي على صحة الإنسان. وقد جاء هذا التوجه بالتزامن مع تواتر الدراسات العلمية التي تكشف الجوانب الخفية والمضرّة لهذه المنتجات، حيث أكدت الجهات الشرعية أن المعيار الحقيقي للتحريم يدور وجوداً وعدماً مع ثبوت الضرر، استناداً إلى المبدأ الإسلامي الأصيل الذي يجعل حفظ النفس وحمايتها من المهالك أولوية قصوى.

وفي تفصيل الرؤية الشرعية، بينت الفتاوى أن الإسلام وضع ضوابط محددة لكل ما يستهلكه الإنسان، مستدلة بالتوجيه القرآني الذي ينهى عن إلقاء النفس في التهلكة. وبناءً على ذلك، فإن الرأي الفقهي يستند إلى الحقائق الطبية؛ فإذا أقر العلم الحديث بأن مادة معينة تسبب دماراً للصحة أو تفاقم الأمراض، فإن حكم تناولها ينتقل مباشرة إلى دائرة التحريم القاطع، باعتبار أن سلامة الجسد أمانة لا يجوز التفريط فيها.

وعلى الصعيد الطبي، تتكشف مخاطر هذه المشروبات بشكل يثير القلق، فهي ليست مجرد سوائل تمنح نشاطاً مؤقتاً، بل تحتوي على مزيج من المكونات التي قد تؤدي إلى الإدمان وتلحق أضراراً جسيمة بأجهزة الجسم. ورغم أنها قد توهم المتعاطي بزيادة التركيز وسرعة رد الفعل لفترة وجيزة، إلا أن ضريبتها على المدى البعيد تكون باهظة؛ إذ تتسبب في اضطرابات حادة في النوم، وجفاف الجسم، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على الصحة العقلية والجهاز الهضمي.

وتمتد قائمة الأضرار لتشمل تهديدات مباشرة لحياة الإنسان، حيث يؤدي الاستهلاك المفرط للكافيين والسكريات والأحماض الموجودة فيها إلى إنهاك عضلة القلب، مما قد يسفر عن عدم انتظام ضرباته أو ارتفاع ضغط الدم، وصولاً إلى احتمالية حدوث سكتات دماغية أو قلبية مفاجئة. كما أن الجهاز العصبي لا يسلم من الأذى، إذ يعاني المستهلك من القلق المستمر، والصداع، وتقلبات المزاج التي قد تصل في مراحل متقدمة إلى الهلوسة، بالإضافة إلى الأضرار الهيكلية مثل تآكل الأسنان، وهشاشة العظام، وتضرر الكبد والكلى، وزيادة فرص الإصابة بالسمنة والسكري من النوع الثاني.

وقد أطلق خبراء التغذية تحذيرات صارمة من تحول هذه المشروبات إلى عادة يومية، مشيرين إلى أن محتواها العالي من المنبهات يشكل خطراً داهماً. وتدعم الإحصائيات الحديثة هذه المخاوف، حيث تشير البيانات إلى أن المواظبة على عبوة واحدة يومياً قد ترفع احتمالية الإصابة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى عشرين بالمائة، ناهيك عن دورها في تدمير جودة النوم وزيادة معدلات التوتر وتشتت الانتباه، مما يجعل الامتناع عنها ضرورة صحية قبل أن تكون مطلباً شرعياً.