يعيش الشباب اليوم في سباق محموم لا يتوقف، حيث يجد أبناء الجيل الحالي أنفسهم محاصرين بين مطرقة الطموحات المهنية وسندان العلاقات الاجتماعية، مما يولد لديهم هاجسًا دائمًا بأن أي توقف لالتقاط الأنفاس قد يعني الخروج من المنافسة أو ضياع الفرص. وفي خضم هذه المعركة اليومية، تؤكد أنانديتا فاغاني، الخبيرة في مجال الإرشاد النفسي، أن الحفاظ على السلام الداخلي لا يتطلب ادعاء القوة والصلابة طوال الوقت، بل يكمن السر في اتباع نهج مرن وواقعي يحمي الصحة النفسية من الانهيار ويضمن استمراريتها.

وتلعب المنصات الرقمية دورًا مزدوجًا في حياة هذا الجيل؛ فبينما تُعد وسيلة للتواصل، فإنها تحولت إلى مرآة عاكسة تثير القلق وتزعزع الثقة بالنفس بسبب المقارنات الدائمة مع حياة الآخرين المنتقاة بعناية. ورغم إدراك الشباب لزيف “المثالية” المعروضة على الشاشات، إلا أن تأثيرها السلبي يظل عميقًا، مما يستدعي تدخلًا يهدف إلى ترشيد استهلاك المحتوى الرقمي، والتركيز على متابعة ما يعزز القيم الحقيقية، وأخذ استراحات واعية تعيد للإنسان سيطرته على مزاجه بعيدًا عن سطوة العالم الافتراضي.

وعلى صعيد المستقبل المهني والدراسي، يرزح الكثيرون تحت وطأة الخوف من الفشل أو اتخاذ قرارات خاطئة قد تعصف بمستقبلهم، لا سيما في ظل التقلبات الاقتصادية الراهنة. وهنا يبرز دور التوجيه النفسي في إعادة صياغة مفهوم النجاح، ليصبح رحلة تجريبية مستمرة تعتمد على التعلم والتطور بدلاً من كونه وجهة نهائية جامدة، مع ضرورة الفصل التام بين قيمة الإنسان الذاتية وبين حجم إنتاجيته أو رضا الآخرين عنه.

ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يعاني هذا الجيل من مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب الناجمين عن شعورهم بثقل أزمات العالم الكبرى، مثل التغير المناخي والاضطرابات السياسية، مما يولد شعورًا بالحزن الدفين تجاه مستقبل غامض. وتتمثل المواجهة الصحية لهذه المشاعر في تقبلها كرد فعل طبيعي لواقع معقد، وتوفير بيئة داعمة تسمح بالتعبير عن المخاوف بحرية، مع تعزيز سبل التأقلم النفسي ودعم الأقران لبعضهم البعض.

وفي ظل ثقافة “الاتصال الدائم” وتدفق الأخبار اللحظي، يقع الكثير من الشباب فريسة للإرهاق الذهني والتحفيز المفرط، حيث باتت الراحة بالنسبة لهم مصدرًا للشعور بالذنب بدلاً من كونها حاجة بيولوجية ونفسية. وللخروج من هذه الدوامة، ينصح المختصون بضرورة رسم حدود واضحة تفصل الحياة الشخصية عن صخب التكنولوجيا والعمل، وتبني ممارسات اليقظة الذهنية البسيطة، والعمل على فك الارتباط الشرطي بين احترام الذات والإنجاز المستمر، سعيًا نحو حياة أكثر توازنًا وإنسانية.