لم تعد فكرة تناول كوب من الحليب الدافئ في المساء مجرد موروث شعبي تتناقله الأجيال، بل باتت حقيقة مدعومة بأدلة علمية تؤكد تأثيرها الإيجابي على جودة النوم. وفي هذا السياق، يوضح الباحث محمد زكي عيد، المتخصص في تكنولوجيا الألبان بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني، أن السر يكمن في التركيبة الغنية لمنتجات الألبان؛ فهي تحتوي على عناصر محفزة للاسترخاء مثل الحمض الأميني “التربتوفان” الذي يلعب دوراً محورياً في إنتاج هرمونات السيروتونين والميلاتونين المسؤولة عن تنظيم النوم، بالإضافة إلى ببتيدات حيوية ومعادن كالكالسيوم والمغنيسيوم التي تعمل كمهدئات طبيعية للجسم.

ويمتد تأثير الألبان ليشمل الجانبين النفسي والجسدي معاً، فمن ناحية، يساهم هذا الطقس المسائي في إدخال الشخص في حالة من السكون والراحة النفسية، ومن ناحية أخرى يساعد فسيولوجياً في تنظيم درجة حرارة الجسم ومنح شعور مريح بالشبع الخفيف دون إثقال المعدة. كما يتميز الزبادي بفوائد إضافية بفضل احتوائه على “البروبيوتيك”، حيث توجد علاقة وثيقة بين صحة الأمعاء وانتظام النوم. ولتحقيق أقصى استفادة، يُنصح بتناول كوب واحد – حوالي 240 مل – قبل الخلود للنوم بفترة تتراوح بين نصف ساعة وساعة كاملة، لضمان الهضم الجيد والاستفادة من المركبات الفعالة.

لتعزيز هذه الفوائد، يمكن اتباع بعض الحيل الذكية في التحضير، مثل تحلية الحليب بالعسل، حيث تساعد الكربوهيدرات الموجودة فيه على نقل التربتوفان إلى الدماغ بفاعلية أكبر، أو إضافة نكهات طبيعية مثل القرفة والكركم للاستفادة من مضادات الأكسدة وتأثيرها المهدئ، كما يُعد خلط الحليب باللوز المطحون خياراً ممتازاً لرفع مستويات المغنيسيوم والميلاتونين. ومع ذلك، يجب التنويه إلى أن هذه العادة، رغم فوائدها، ليست علاجاً سحرياً قاطعاً للأرق، بل هي جزء من روتين صحي متكامل، مع ضرورة مراعاة الحالات التي تعاني من مشاكل صحية مثل عدم تحمل اللاكتوز أو حساسية بروتين الحليب لتجنب أي آثار عكسية.