عندما ينقطع الإنسان تمامًا عن تناول المأكولات والمشروبات لعدة ساعات متواصلة، كما يحدث في فريضة الصيام، يشهد الجسم ثورة داخلية تعيد ترتيب أوراقه الأيضية وتوازنه الهرموني. وفي هذا السياق، توضح خبيرة التغذية العلاجية، الدكتورة ندا شريف، أن هذا الانقطاع يلعب دورًا جوهريًا في إعادة ضبط كيفية تعامل خلايا الجسم مع هرمون الإنسولين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على العديد من المشكلات الاستقلابية، وفي مقدمتها متلازمة تكيس المبايض التي تؤرق الكثير من النساء.
ففي الحالة الطبيعية، قد تصاب الخلايا بحالة من التبلد تجاه الإنسولين، مما يدفع البنكرياس لضخ كميات أكبر منه للسيطرة على سكر الدم، وهذا الفائض الهرموني يمهد الطريق لتراكم الدهون واختلال وظائف الجسم. لكن بمجرد الامتناع عن الطعام، تتراجع مستويات السكر تدريجيًا، لتأخذ الخلايا والمستقبلات استراحة ضرورية تستعيد من خلالها كفاءتها وقدرتها على الاستجابة للهرمون. ومع نفاد مخزون السكريات السريعة، يضطر الجسم للبحث عن مصادر بديلة للطاقة، فيلجأ إلى حرق الدهون المتراكمة، لا سيما الدهون العميقة في منطقة البطن، فضلاً عن مساهمة هذه الحالة في إخماد بؤر الالتهابات الخفية التي تزيد من تفاقم المشكلات الصحية.
وتبرز أهمية هذه التحولات بشكل خاص لدى السيدات اللواتي يعانين من تكيس المبايض، وهي حالة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بضعف استجابة الخلايا للإنسولين، حتى لدى النحيفات. فالمستويات العالية من هذا الهرمون تستفز المبيضين لإفراز كميات إضافية من الهرمونات الذكرية، مما يؤدي إلى خلل في الدورة الشهرية، وظهور مشكلات جلدية كحب الشباب، وزيادة غير مرغوبة في نمو الشعر. ومن هنا، يبرز الأثر العلاجي المحتمل لفترات الانقطاع عن الطعام؛ إذ إن تراجع مستويات الإنسولين وانخفاض الوزن وتقليل الالتهابات يؤدي تلقائيًا إلى تراجع التحفيز المفرط للمبايض، مما يسهم في تخفيف حدة الأعراض بشكل ملحوظ وفقًا لما أظهرته بعض الملاحظات السريرية.
غير أن هذه الفوائد المرجوة ليست مضمونة بمجرد الجوع والعطش، بل تحكمها مجموعة من العادات اليومية التي تلي فترة الانقطاع. فتناول وجبات غنية بالبروتينات والعناصر النباتية والدهون النافعة، مع الحذر الشديد من الإفراط في السكريات والكربوهيدرات المصنعة، هو ما يضمن استمرار هذا التأثير الإيجابي وتجنب تدميره بمجرد الإفطار.
وإلى جانب الاختيارات الغذائية الصائبة، تلعب الحركة البدنية المنتظمة دورًا مكملًا في تعزيز استجابة الجسم للإنسولين، ناهيك عن أهمية الحصول على قسط وافر من النوم العميق وتجنب الضغوط النفسية التي ترفع هرمونات التوتر وتعطل مسارات التعافي الجسدي. وفي نهاية المطاف، يبقى التقييم الطبي خطوة أساسية ولا غنى عنها قبل تبني أي نمط غذائي أو صيام لفترات طويلة، خاصة للأفراد الذين يعانون من تذبذبات حادة في مستويات السكر أو يواجهون تحديات هرمونية معقدة تتطلب إشرافًا متخصصًا.
التعليقات