مع حلول ليالي الشهر الفضيل، يحلو لنا الغوص في ذاكرة الكرة المصرية العريقة، تلك التي لا تمثل مجرد مباريات عابرة، بل سجلًا حافلًا بالمواقف التي شكلت الهوية الرياضية للبلاد. سنكون على موعد يومي لاستحضار لحظات المجد التي صنعها “الفراعنة” عبر التاريخ، مسلطين الضوء على قصص كفاح ملهمة ومدربين تركوا بصمات لا تُمحى، ومواقف حولت الانكسار إلى انتصار، لنستقي منها دروسًا في العزيمة تتناغم مع روحانيات هذا الشهر، ونعيد اكتشاف كيف أصبح اسم مصر علامة فارقة في المحافل الدولية والقارية.
إحدى أبرز تلك المحطات الخالدة تعود بنا إلى عام 1986، حين احتضنت القاهرة العرس الأفريقي بمشاركة ثمانية منتخبات قسمت إلى مجموعتين. كانت ضربة البداية صادمة للجماهير الغفيرة إثر الخسارة المباغتة أمام السنغال بهدف دون رد، مما وضع الفريق في مأزق مبكر وكاد يعصف بالآمال، إلا أن المنتخب سرعان ما استعاد توازنه واتزانه بفضل حنكة المدرب الويلزي “مايك سميث” وإصرار اللاعبين؛ حيث تمكنوا من تصحيح المسار بالفوز على كوت ديفوار وموزمبيق، بفضل أهداف حاسمة لنجوم مثل شوقي غريب وجمال عبد الحميد وثنائية طاهر أبو زيد، ليضمن الفريق صدارة مجموعته ويحيي حلم اللقب من جديد.
لم يكن الطريق نحو التتويج مفروشًا بالورود، فقد اصطدم الفراعنة في المربع الذهبي بعقبة المنتخب المغربي العنيد، في مواجهة تكتيكية صعبة لم يفك طلاسمها سوى قذيفة مدوية من ركلة حرة نفذها “طاهر أبو زيد” لتسكن الشباك وتعلن التأهل للنهائي الحلم. كان الموعد في الختام مع منتخب الكاميرون القوي بقيادة أسطورته روجيه ميلا، وسط حضور جماهيري مهيب في مدرجات استاد القاهرة تجاوز المائة ألف مشجع، تقدمتهم القيادة السياسية آنذاك، لدعم جيل ذهبي كان يطمح لاستعادة عرش القارة السمراء.
بعد ماراثون كروي شاق انتهى وقته الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي، حبست الجماهير أنفاسها مع ركلات الترجيح التي حملت ذروة الدراما، لتبتسم في النهاية لأصحاب الأرض بنتيجة 5-4. وقد نجح نجوم مصر في تسجيل ركلاتهم ببراعة عن طريق طارق يحيى ومجدي عبد الغني وعلاء ميهوب وعلي شحاتة، قبل أن يضع أشرف قاسم كلمة النهاية بتسجيل الركلة الحاسمة التي أهدت مصر نجمتها الثالثة، ليتوج مجهود كتيبة من العمالقة ضمت ثابت البطل في حراسة المرمى، ونجومًا بحجم محمود الخطيب ومصطفى عبده وحمادة صدقي وربيع ياسين ومحمد عمر، في ليلة ظلت محفورة في وجدان كل مصري.
التعليقات