غالبًا ما تتجه الأنظار نحو ملح الهيمالايا الوردي باعتباره كنزًا طبيعيًا وبديلًا مثاليًا لملح المائدة، نظرًا لما يشاع عن احتوائه على عشرات المعادن النادرة. ومع ذلك، فإن هذا النوع الذي يُستخرج من مناطق جبلية ويُباع بأسعار قد تفوق الملح التقليدي بأضعاف، يثير جدلًا واسعًا بين خبراء التغذية حول حقيقة فوائده، وما إذا كان مجرد صيحة تسويقية، خاصة وأن التحليلات العلمية تؤكد أن التركيبة الكيميائية لجميع أنواع الملح تعتمد بشكل أساسي على كلوريد الصوديوم، بغض النظر عن مصدرها أو لونها أو تكلفتها.
من الناحية الفسيولوجية، لا يمكن للجسم الاستغناء تمامًا عن الصوديوم، فهو ركيزة أساسية لعمل الأعصاب والعضلات وضبط توازن السوائل، لكن المشكلة تكمن في الكميات المستهلكة. فالتجاوز المستمر للحدود الآمنة يفتح الباب أمام مخاطر صحية جسيمة، أبرزها احتباس السوائل وارتفاع ضغط الدم، الذي يُوصف غالبًا بالقاتل الصامت لعدم وضوح أعراضه، مما يزيد من احتمالية التعرض لأزمات قلبية أو سكتات دماغية. وتشير الإحصائيات إلى فجوة كبيرة بين الاستهلاك الفعلي والموصى به؛ فبينما تحدد المنظمات الصحية سقفًا يوميًا لا يتجاوز ملعقة صغيرة، يتناول غالبية البشر كميات تفوق ذلك بكثير، ولا يعود السبب دائمًا إلى ما نضيفه بأيدينا أثناء الطعام، بل يكمن السر في “الملح الخفي” الموجود بكثرة في المخبوزات، الأجبان، والأغذية المصنعة.
أما بخصوص الادعاءات حول غنى الملح الوردي بمعادن مثل الحديد والمغنيسيوم والبوتاسيوم، فقد أثبتت الأبحاث أن هذه العناصر تتواجد بنسب ضئيلة للغاية لا تقدم قيمة غذائية ملموسة. ولكي يحصل الشخص على فائدة حقيقية من هذه المعادن، سيتحتم عليه تناول كميات هائلة من الملح تصل إلى خمسة أضعاف الحد المسموح به يوميًا، وهو ما يتعارض كليًا مع القواعد الصحية السليمة ويشكل خطرًا مباشرًا على الصحة.
وفي المقابل، يتفوق ملح المائدة التقليدي بميزة جوهرية تتمثل في تدعيمه باليود، العنصر الحيوي لإنتاج هرمونات الغدة الدرقية، مما يجعل استبداله بالأنواع الصخرية غير المدعمة مخاطرة قد تؤدي لنقص هذا العنصر، خاصة في المجتمعات التي تعاني من انخفاض استهلاك الألبان والأسماك. ومن ناحية أخرى، قد يكون استخدام الملح القشري خيارًا ذكيًا لتقليل الكمية المستهلكة بفضل مساحة سطحه التي تعزز الشعور بالملوحة، أو يمكن اللجوء للبدائل التي تمزج بين الصوديوم والبوتاسيوم، والتي أظهرت فاعلية في حماية القلب وتقليل مخاطر الوفاة، مع ضرورة الحذر واستشارة الأطباء قبل استخدامها لمرضى الكلى أو من يتناولون أدوية معينة.
وفي الختام، يظل النهج الأمثل للتحكم في استهلاك الصوديوم هو العودة إلى المطبخ المنزلي لتقليل الاعتماد على الوجبات الجاهزة، مع تعزيز النكهات باستخدام بدائل طبيعية كالليمون، الخل، والأعشاب العطرية والتوابل. ومن الجدير بالذكر أن حاسة التذوق لدى الإنسان تتمتع بمرونة عالية، حيث يمكنها التأقلم مع الملوحة المنخفضة واستساغة الطعم الجديد خلال فترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعين من بدء التغيير.
التعليقات