مع حلول ليالي الشهر الفضيل، يحلو لنا الغوص في أعماق الذاكرة الكروية لننفض الغبار عن إرثٍ عظيم صنعته أجيال متعاقبة من نجوم الكرة المصرية، في رحلة يومية لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تسعى لاستحضار روح الإصرار التي ميزت مسيرة “الفراعنة” عبر العقود. إن تاريخ المنتخب الوطني يزخر بملاحم بطولية رُسمت بالعرق والجهد في أحلك الظروف، وقصص لمدربين ولاعبين تحدوا المستحيل لرفع راية بلادهم خفاقة، لنستمد من تلك المواقف الخالدة طاقة ملهمة ودروساً في العزيمة تتماشى مع نفحات هذا الشهر الكريم، مستعرضين محطات فارقة قد تكون سقطت سهواً من حسابات الجيل الحالي.

وفي خضم الحديث عن الأمجاد، تبرز صفحات مضيئة قد تغيب تفاصيلها عن أذهان المشجعين الشباب، تتعلق بمنصات تتويج لم تأخذ نصيبها العادل من الشهرة في عصرنا الحالي، ولعل أبرز تلك المحطات هو التألق اللافت في دورات ألعاب البحر المتوسط. فقد تمكن المنتخب المصري من تحقيق إنجاز استثنائي في منتصف الخمسينيات، وتحديداً عام 1955، حينما نجح في اعتلاء قمة الهرم الكروي وخطف الميدالية الذهبية متفوقاً على مدارس كروية أوروبية وأفريقية عريقة، ولم يتوقف الحصاد المصري عند هذا الحد، بل تعزز بميداليات أخرى تنوعت بين الفضية والبرونزية في مشاركات لاحقة، مما يثبت علو كعب الكرة المصرية ورسوخ قدمها في منافسات حوض المتوسط منذ زمن بعيد.

وبالانتقال إلى الساحة العربية، تشهد حقبة السبعينيات على هيمنة مصرية خالصة في منافسات “كأس فلسطين للأمم”، تلك البطولة التي كانت تتمتع بوزن ثقيل وزخم كبير في ذلك الوقت. لقد أثبت الجيل الذهبي آنذاك جدارته باحتكار اللقب في نسختين؛ الأولى عام 1972 والثانية بعدها بثلاث سنوات في عام 1975، وهو ما يعكس الجودة الفنية العالية والمرونة التكتيكية التي تمتع بها اللاعب المصري، وقدرته الفائقة على حسم المواجهات الإقليمية الشرسة التي كانت بمثابة اختبار حقيقي للقوة ومقدمة للسيطرة على الألقاب القارية.

ولا تكتمل الصورة البانورامية لهذا التاريخ العريق دون الإشارة إلى التواجد المصري المؤثر في النسخة القديمة من “كأس البحر المتوسط”، وهي مسابقة توارت عن الأنظار حالياً، لكن أرشيفها لا يزال يحتفظ لمصر بموقع متميز بعد تحقيق المركز الثالث والميدالية البرونزية في مناسبتين مختلفتين. ورغم اندثار بعض هذه البطولات أو تغير مسمياتها، إلا أن الألقاب والنتائج التي تحققت خلالها تظل برهاناً ساطعاً وشاهداً حياً على أن الريادة المصرية لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج تاريخ طويل من العمل الدؤوب والسعي الدائم نحو القمة في مختلف المحافل الدولية، سواء كانت تلك البطولات باقية أو طواها النسيان.