مع حلول ليالي الشهر الفضيل، نغوص في أعماق الذاكرة الكروية لنسترجع لحظات لا تُنسى حفرت مكانها في وجدان الجماهير المصرية وشيدت أمجاد الكرة في القارة السمراء، فتاريخ منتخب “الفراعنة” ليس مجرد مباريات عابرة، بل هو سلسلة من الملاحم الإنسانية التي امتزج فيها العرق بالكفاح وتجاوزت حدود المستطيل الأخضر. وعلى مدار أيامنا هذه، سنطوف بين صفحات الماضي لنروي حكايات عن بطولات وُلدت من رحم المعاناة، وعن قيادات فنية غيّرت المفاهيم بصدقها، وعن لحظات درامية قلبت التوقعات رأسًا على عقب وأسالت دموع الفرح، إنها قصص عن الجلد والصبر والإرادة الصلبة التي جعلت لمصر مكانة مهيبة عالميًا، نستمد منها طاقة إيجابية ودروسًا في الإصرار تتماشى مع روحانيات هذا الموسم المبارك.
وفي مستهل هذه الرحلة، نعود بالزمن إلى أواخر الثمانينيات، وتحديدًا عام 1988، تلك السنة التي شهدت تولي الراحل محمود الجوهري مسؤولية القيادة الفنية، حاملًا معه فلسفة تتجاوز التكتيكات الفنية لتشمل البناء النفسي والأخلاقي للفريق. كان “الجنرال” يؤمن بأن الانضباط يبدأ من المساواة التامة، لذا توجه بنفسه إلى مصانع الغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى بصحبة جهازه الإداري لانتقاء أول زي تدريب موحد في تاريخ المنتخب. وقع اختياره حينها على تصميم بسيط يجمع بين اللونين الأبيض والأسود وبسعر زهيد للغاية، في خطوة حملت رسالة عميقة مفادها إلغاء الفوارق الطبقية بين النجوم الكبار وبين أصغر عامل في الفريق. ورغم التذمر الذي أبداه البعض في البداية من مساواة ملابس المدير الفني بملابس العمال، إلا أن إصرار الجوهري كان حاسمًا في مواجهة تلك الانتقادات، مرسخًا مبدأ أن الجميع تروس متساوية الأهمية في منظومة واحدة.
ولم يتوقف اهتمام الجوهري عند هذا الحد، بل امتدت رؤيته لتشمل الهوية البصرية للمنتخب في المباريات الرسمية، فبدافع من خلفيته العسكرية وحبه العميق لرموز الوطن، قرر اعتماد اللون الأخضر للقميص الأساسي، تيمنًا بعلم مصر في فترة الوحدة واستبشارًا بما يحمله هذا اللون من معاني الخير والنماء. لم يكن اختياره عشوائيًا على الإطلاق، بل اتسم بالدقة المتناهية التي عُرف بها، حيث فاضل بين عشرات الدرجات اللونية المختلفة حتى استقر على الدرجة الدقيقة التي شعر معها بالثقة والارتياح النفسي. وقد أثبت الزمن صحة حدسه وتفاؤله، إذ ارتبط هذا اللون الأخضر بإنجاز تاريخي تمثل في حصد اللقب القاري في بوركينا فاسو عام 1998، ليتحول هذا القميص إلى أيقونة خالدة ترمز لجيل ذهبي عرف معنى الروح القتالية والإخلاص للشعار.
التعليقات