تتجسد في أيام شهر الصيام معاني الإرادة والتحدي، وهي ذات المعاني التي لطالما سطرتها الأقدام المصرية على الملاعب الأفريقية. وفي رحاب هذه الأجواء الروحانية، نغوص يومياً في أعماق الذاكرة الرياضية لنستلهم أروع الملاحم الكروية التي حفرت اسم مصر بحروف من نور في القارة السمراء. إن التربع على عرش أفريقيا بسبعة ألقاب تاريخية، والتفوق الدائم على عمالقة القارة مثل نيجيريا والكاميرون وغانا، وصولاً إلى الثلاثية الذهبية الخالدة التي اختتمت في أنغولا عام ألفين وعشرة، لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة لقصص كفاح وتضحيات، وتخطيط مدربين عباقرة، ولحظات درامية أسعدت قلوب الملايين، وسنعيش معها لنستمد منها العبرة والعزيمة التي تتوافق مع نفحات هذا الشهر الفضيل.

ومن بين تلك الصفحات المشرقة في السجل الوطني، تبرز ملحمة كروية استثنائية جرت وقائعها في صيف عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين، حين خاض أبناء النيل غمار دورة الألعاب الأفريقية على الأراضي الكينية. قاد المدير الفني “مايكل سميث” كتيبته في طريق محفوف بالمخاطر ضمن منافسات دور المجموعات؛ حيث انطلقت الرحلة بانتصار شاق على السنغال بأقدام أيمن يونس، تبعه تفوق مثير على كوت ديفوار بهدفين حملا توقيع جمال عبد الحميد. ورغم التعثر المفاجئ أمام مالاوي وتلقي شباك المنتخب هزيمة بهدفين مقابل هدف وحيد أحرزه محمد رمضان، أنصفت الحسابات وفارق الأهداف الفراعنة ليعبروا إلى المربع الذهبي بصعوبة بالغة.

لم تكن المواجهات الإقصائية أقل قسوة، فقد اصطدم المنتخب بعقبة الكاميرون في نصف النهائي، إلا أن ثبات اللاعبين قادهم لحسم بطاقة العبور عبر ركلات المعاناة الترجيحية، ليضربوا موعداً نارياً في المشهد الختامي مع كينيا صاحبة الضيافة. وفي الثاني عشر من أغسطس، اصطفت نخبة من أساطير الكرة المصرية داخل المستطيل الأخضر، يتقدمهم أحمد شوبير في حراسة المرمى، وأمامه منظومة متماسكة تضم ربيع ياسين، علي شحاتة، محمد عمر، السيد يوسف، مجدي عبد الغني، وإسماعيل يوسف. بينما تولى قيادة الهجوم حسام حسن، جمال عبد الحميد، محمد رمضان، وأيمن يونس، مدعومين بدكة بدلاء قوية شملت أسماء بحجم ثابت البطل، عماد سليمان، شوقي غريب، ناصر محمد علي، وجمال عبد الحليم.

وسط زئير الآلاف من الجماهير الكينية المتحمسة في مدرجات العاصمة نيروبي، صمدت الكتيبة المصرية ببسالة طوال الوقت الأصلي للمباراة النهائية، رافضة الاستسلام للضغط الجماهيري والميداني. امتد الصراع إلى الأشواط الإضافية ليبلغ حبس الأنفاس ذروته، حتى جاءت الدقيقة الثانية بعد المائة حاملة معها الانفراجة الكبرى؛ حيث أطلق محمد رمضان رصاصة الرحمة الكروية مسجلاً هدفاً حاسماً خيم به الصمت على أصحاب الأرض. وبفضل هذه اللحظة الخاطفة، انطلقت احتفالات الفراعنة الهادرة، ليعودوا إلى أرض الوطن مطوقين بالذهب الأفريقي، في ليلة أثبتت أن العزيمة المصرية قادرة على ترويض المستحيل وقهر أصعب الظروف.