مع حلول ليالي الشهر الكريم، تتجدد الفرصة للغوص في أعماق الذاكرة الكروية المصرية، تلك الذاكرة المليئة بمواقف تتجاوز مجرد ركل الكرة داخل المستطيل الأخضر. فمسيرة المنتخب الوطني ليست مجرد مباريات عابرة، بل هي سلسلة من الدروس في العزيمة والإرادة صاغتها أجيال متعاقبة. وعبر أيام هذا الشهر، سنكون على موعد يومي لاستحضار لحظات فارقة، تارة نرى فيها انتصارات ولدت من رحم المعاناة، وتارة أخرى نتوقف أمام قرارات مصيرية لمدربين عباقرة، أو أحداث درامية حولت الدموع إلى أفراح، مسلطين الضوء على الجانب الإنساني والوطني الذي رسخ مكانة “الفراعنة” كأيقونة في عالم الساحرة المستديرة، لنستمد من صلابتهم قيماً تتماشى مع روحانيات هذه الأيام المباركة.
ومن أبرز تلك المحطات التي خلدها التاريخ، حين تغلبت المبادئ الوطنية على الطموحات الرياضية، وتجلى ذلك بوضوح في موقف مصر من دورة الألعاب الأولمبية لعام 1956 في ملبورن الأسترالية. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه عدواناً ثلاثياً غاشماً، رأت القيادة المصرية أن المشاركة في محفل يضم دولاً تعتدي على سيادتها وتريق دماء أبنائها في مدن القناة ضربٌ من المستحيل. فكان قرار الانسحاب بمثابة رسالة سياسية قوية تؤكد أن كرامة الوطن وسلامة أراضيه تعلو فوق أي ميدالية أو إنجاز رياضي، رافضة التواجد جنباً إلى جنب مع المعتدين في ظل تلك الظروف العصيبة.
ولم يكن هذا الموقف استثناءً عابراً، بل نهجاً راسخاً تكرر بعد سنوات طويلة في أولمبياد موسكو عام 1980. فعلى الرغم من جاهزية الأبطال المصريين واجتيازهم التصفيات بنجاح مبهر في مختلف اللعبات، اختارت الدولة الانضمام إلى ركب المقاطعة الدولية تعبيراً عن رفضها للتدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان. ورغم المرارة التي قد يشعر بها أي رياضي لضياع سنوات من التدريب الشاق، إلا أن الجميع امتثل لقرار الدولة، في تأكيد واضح على أن الرياضة المصرية جزء لا يتجزأ من منظومة القيم والمواقف السياسية الثابتة تجاه القضايا العالمية.
لقد دفعت الأجيال الذهبية للرياضة المصرية، لا سيما نجوم ألعاب القوى ورفع الأثقال والمبارزة، ضريبة باهظة لهذه المواقف المشرفة، حيث ضاعت عليهم فرص محققة لاعتلاء منصات التتويج العالمية وهم في أوج عطائهم الفني والبدني. ومع ذلك، فإن التاريخ لم ينسَ تضحياتهم، بل حفر أسماءهم في وجدان الشعب كأبطال فضلوا الانتصار للمبدأ، مؤكدين أن شموخ العلم المصري فوق الأراضي المحررة والمواقف النبيلة أهم وأبقى من رفعه في ملاعب المنافسة الصامتة.
التعليقات