مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في نفوسنا الرغبة لاستحضار ذكريات المجد الرياضي التي شكلت جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية، تلك اللحظات التي تحولت فيها مباريات كرة القدم إلى ملاحم وطنية خالدة. وخلال أيام هذا الشهر الفضيل، سنغوص معاً في أعماق تاريخ المنتخب الوطني لنستخرج منه قصصاً عن الإرادة الحديدية، ومواقف لمدربين امتلكوا الجرأة لتغيير الواقع، وحكايات عن بطولات ولدت من رحم المعاناة لتنتهي بدموع الفرح في عيون الملايين، مستلهمين من تلك المحطات دروساً في العزيمة والإصرار.
وبالعودة بالزمن إلى شتاء عام 2006، لم تكن العاصمة المصرية مجرد مدينة تستضيف حدثاً رياضياً، بل تحولت إلى كرنفال شعبي صاخب، حيث احتشدت الجماهير في مدرجات استاد القاهرة لتدفع بمنتخبها نحو استعادة الزعامة القارية. كانت تلك البطولة بمثابة إعلان عن ميلاد جيل ذهبي جديد للكرة المصرية، نجح في ترويض أعتى منتخبات القارة، وعلى رأسها منتخب كوت ديفوار المدجج بالنجوم، في رحلة توجت باللقب الغالي بعد غياب طويل.
بدأت مسيرة استعادة العرش بعرض قوي كشف عن النوايا الحقيقية للفراعنة، حينما أمطروا شباك المنتخب الليبي بثلاثة أهداف نظيفة، تناوب على تسجيلها نجوم الفريق ببراعة، في رسالة تحذيرية لباقي المنافسين. ورغم الاصطدام بالعقدة التاريخية لمنتخب المغرب في الجولة الثانية والكتفاء بالتعادل السلبي، إلا أن الرد جاء سريعاً وحاسماً في ختام دور المجموعات، بانتصار مستحق على “الأفيال” الإيفوارية بثلاثية مقابل هدف، ليؤكد المصريون أحقيتهم بصدارة المجموعة وجاهزيتهم لما هو أصعب.
وفي الأدوار الإقصائية، واصل القطار المصري دهس منافسيه، حيث شهدت مواجهة ربع النهائي أمام الكونغو الديمقراطية حدثاً تاريخياً بتسجيل العميد حسام حسن هدفاً جعله الأكبر سناً بين هدافي البطولة عبر تاريخها، في مباراة انتهت برباعية مصرية ساحقة. أما موقعة نصف النهائي أمام السنغال، فقد حملت دراما فنية لا تُنسى، حينما راهن الجهاز الفني على التغيير، فدفع بعمرو زكي الذي لم يخيّب الظن، وسجل هدف الفوز القاتل من لمسته الأولى فور نزوله، ممهداً الطريق نحو النهائي الحلم.
وجاء المشهد الختامي ليعيد المواجهة مع كوت ديفوار، ولكن هذه المرة في ظروف أصعب وضغوط نفسية هائلة امتدت لأشواط إضافية سادها التعادل السلبي والحذر التكتيكي. وعندما احتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح، برز الحارس الأسطوري عصام الحضري كسد منيع، متصدياً ببراعة لتسديدات الخصم، ليمنح بلاده النجمة الأفريقية الخامسة، ويسدل الستار على واحدة من أروع البطولات التي شهدتها القارة السمراء، والتي ستظل محفورة في ذاكرة كل عاشق للكرة المصرية.
التعليقات