مع حلول الشهر الفضيل، نعود بذاكرتنا إلى الوراء لنقلب صفحات التاريخ الرياضي المليئة بالأحداث التي شكلت هوية الكرة المصرية وأسست لمجدها القاري، فمسيرة المنتخب الوطني ليست مجرد مباريات عابرة، بل هي سلسلة من الملاحم التي امتزجت فيها التحديات بالإرادة الصلبة. وعلى مدار أيام هذا الشهر، سنبحر معاً في رحلة يومية لاستكشاف محطات مفصلية من إرث “الفراعنة”، لنسرد حكايات عن بطولات ولدت من رحم المعاناة، ومدربين تركوا بصمات لا تُمحى، ولحظات درامية قلبت الموازين وأسالت دموع الفرح في عيون الملايين، مستلهمين من قصص الصمود والإصرار دروساً وعبر تتماشى مع روحانية هذه الأيام المباركة.

وعلى الرغم من أن مصر كانت صاحبة الريادة كأول ممثل للعرب وأفريقيا في المحفل العالمي عام 1934، إلا أن الطريق بعد ذلك لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد وقفت العوائق المالية حائلاً دون استكمال المشوار في النسخة التالية عام 1938، حيث أدى العجز عن توفير نفقات السفر لمواجهة رومانيا إلى وأد الحلم مبكراً. وحتى عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وعادت الحياة للملاعب في مونديال 1950، غاب العلم المصري عن الأراضي البرازيلية لأسباب غامضة لم تكشف عنها السجلات بوضوح، ليضيع عقد كامل من الزمن في طي النسيان قبل أن تبدأ مرحلة المواجهات الشرسة.

توالت السنوات لتضع المنتخب المصري في اختبارات صعبة، بدأت بالاصطدام بالمدرسة الإيطالية العريقة في منتصف الخمسينيات، حيث لم يشفع الأداء الرجولي في القاهرة لتجنب الهزيمة الثقيلة في ميلانو. غير أن التاريخ الكروي لمصر لم يخلُ من المواقف المبدئية والوطنية، إذ فضل المنتخب الانسحاب من تصفيات 1958 رفضاً للتطبيع الرياضي بمواجهة منتخب الكيان المحتل، وهو نهج تكرر بصورة نضالية في الستينيات عندما قادت مصر حراكاً أفريقياً لمقاطعة “الفيفا” احتجاجاً على الظلم في توزيع المقاعد المونديالية، قبل أن تأتي ظروف الحرب والنكسة في 1967 لتفرض عزلة إجبارية أبعدت الفراعنة عن مونديال 1970.

ولم تخلُ مسيرة التصفيات من الغرائب، ولعل أبرزها ما حدث في تصفيات 1962 عندما تسببت الخلافات حول مواعيد المباريات والظروف الجوية في انسحاب مصر والسودان معاً، لتدخل الكرة المصرية بعدها في نفق مظلم استمر لسنوات طويلة عُرف بـ “عقدة شمال أفريقيا”. فقد تحولت أحلام الوصول للمونديال إلى سراب على يد الأشقاء؛ تارة تطيح تونس بآمال المصريين في السبعينيات، وتارة أخرى يتولى المنتخب المغربي مهمة إقصاء جيل ذهبي بأكمله في الثمانينيات، لتستمر سنوات الغياب العجاف 56 عاماً كاملاً، لم تنفرج إلا مع ملحمة 1990 التي أنهت عقوداً من الانتظار والدراما.