مع حلول نفحات الشهر الكريم، تتجدد الدعوة للغوص في أعماق الذاكرة الرياضية المصرية، لنستخرج منها كنوزاً وجدانية شكلت ملامح الهوية الكروية للفراعنة، فالتاريخ هنا لا يُقرأ مجرد أرقام ونتائج، بل هو سجل حافل بمواقف البطولة وتحدي المستحيل، حيث امتزجت الموهبة الفطرية بالروح القتالية لتصنع أمجاداً خلدتها القارة السمراء، وعبر رحلة يومية ممتدة طوال أيام الصيام، سنستحضر معاً لحظات فارقة حبست الأنفاس، وقصصاً لمدربين ولاعبين حفروا أسماءهم في القلوب بالإخلاص والعرق، مستلهمين من كفاحهم دروساً في العزيمة والإرادة تتناغم مع روحانية هذه الأيام المباركة.
ومن بين تلك المحطات المضيئة التي تأبى النسيان، تبرز ليلة استثنائية عاشتها الجماهير العربية عام 1992، حينما تمكن المنتخب المصري من معانقة المجد في مدينة حلب السورية، متوجاً بلقب “كأس العرب” في نسختها الخامسة للمرة الأولى في تاريخه، فقد نجح العراب الراحل محمود الجوهري في تلك البطولة في هندسة تشكيلة متناغمة جمعت بين حيوية الشباب وحكمة الكبار، ليقود السفينة المصرية ببراعة تكتيكية وانضباط معهود نحو منصة التتويج، مقدماً أداءً بطولياً ظل عالقاً في الأذهان كواحد من أبرز إنجازات الكرة المصرية عربياً.
لم تكن طريق الفراعنة نحو اللقب مفروشة بالورود، إذ بدأت الرحلة في دور المجموعات باختبارات تطلبت صبراً وحنكة، فبعد تعادل افتتاحي أمام النشامى الأردنيين بهدف لمثله، استطاع أبناء النيل تصحيح المسار سريعاً بانتصار تكتيكي ثمين على المنتخب الكويتي بهدف نظيف، وكان النجم أيمن منصور هو كلمة السر في هذه المرحلة، حيث تكفل بتسجيل هدفي مصر، مانحاً فريقه بطاقة العبور كمتصدر للمجموعة، ليثبت أن الهجوم الفعال هو مفتاح السيادة.
تصاعدت وتيرة الإثارة في الأدوار الإقصائية، حيث وجد المنتخب المصري نفسه في مواجهة شرسة أمام أصحاب الأرض والجمهور في المربع الذهبي، ورغم الضغط الجماهيري الرهيب وانتهاء الوقت الأصلي بالتعادل السلبي، أثبت اللاعبون صلابة ذهنية فائقة مكنتهم من حسم الموقعة عبر ركلات الترجيح، ليضربوا موعداً نارياً في النهائي مع المنتخب السعودي، في مباراة تحولت إلى مهرجان كروي مثير انتهى بفوز مصر بثلاثة أهداف لهدفين، وشهدت تلك الليلة توهج الثلاثي سامي الشيشيني وأحمد الكاس، بينما وضع حسام حسن بصمته الخالدة بهدف أكروباتي مذهل، ليُكتب السطر الأخير في ملحمة انتزاع الزعامة العربية.
التعليقات