في ليلة الثامن والعشرين من فبراير عام 1998، سطرت كرة القدم المصرية واحدة من أروع ملاحمها التاريخية، حينما عاشت الجماهير نشوة انتصار لم تتذوق مثلها منذ التأهل لمونديال إيطاليا مطلع التسعينيات. جاء هذا التتويج بلقب كأس الأمم الأفريقية للمرة الرابعة مخالفاً لكل التوقعات المتشائمة التي سبقت البطولة وتنبأت بخروج مبكر للفريق، إلا أن كتيبة “الجنرال” محمود الجوهري قلبت الموازين، وعادت من بوركينا فاسو بالكأس الغالية، قاهرةً منتخب جنوب إفريقيا “البافانا بافانا”، حامل اللقب آنذاك والفريق الذي لم يعرف طعم الهزيمة إلا أمام عزيمة المصريين.

بدأت أحداث المباراة النهائية بسيطرة مصرية كاسحة ومباغتة، حيث حسم الفراعنة اللقب عملياً في الربع ساعة الأول. افتتح أحمد حسن التسجيل مبكراً بتسديدة صاروخية خادعت الحارس، ولم تكد تمر دقائق حتى عزز طارق مصطفى التقدم بهدف ثانٍ جاء نتاج جملة تكتيكية عبقرية من ركلة حرة غير مباشرة نُفذت بتناغم تام بين هاني رمزي وحسام حسن وطارق مصطفى. وبهذا الفوز المستحق، عادلت مصر الرقم القياسي لغانا في عدد مرات الفوز بالبطولة في ذلك الوقت.

لم يكن مشوار المنتخب المصري نحو منصة التتويج مفروشاً بالورود، فقد خاض منافسات الدور الأول ضمن المجموعة الرابعة التي ضمت المغرب وزامبيا وموزمبيق، وتأهل منها محتلاً المركز الثاني بعد انتصارين وكبوة وحيدة أمام “أسود الأطلس”. وفي الأدوار الإقصائية، أظهر الفريق شخصية البطل بتجاوز عقبة كوت ديفوار العنيد بركلات الترجيح في ربع النهائي، ثم الإطاحة بأصحاب الأرض “بوركينا فاسو” في نصف النهائي بثنائية نظيفة، ممهداً الطريق نحو النهائي الحلم.

اعتمد الجهاز الفني طوال البطولة على تشكيلة حديدية جمعت بين صلابة الدفاع ومهارة الهجوم، ضمت نجوماً سطروا أسماءهم بحروف من نور مثل الحارس نادر السيد، والمدافعين مدحت عبد الهادي وسمير كمونة وعبد الظاهر السقا، ونجوم الوسط حازم إمام وهاني رمزي، بقيادة القائد الملهم حسام حسن الذي توج جهوده بحصد لقب هداف البطولة برصيد سبعة أهداف، متقاسماً الجائزة مع الجنوب إفريقي بيني مكارثي.

وبهذا الإنجاز الاستثنائي، حفر الراحل محمود الجوهري اسمه في سجلات التاريخ العالمي كأول شخص يحقق اللقب القاري لاعباً ومدرباً، مكرراً إنجازه الشخصي الذي حققه في الملاعب عام 1959. لقد كانت هذه البطولة جوهرة التاج في مسيرة “الجنرال” التدريبية مع المنتخب، والتي شملت قبل ذلك الوصول لكأس العالم 1990 والفوز بكأس العرب، ليثبت أنه أحد أعظم العقول الكروية التي أنجبتها مصر قبل رحيله لاحقاً لتدريب المنتخب الأردني.