تتزامن الأجواء الروحانية لشهر الصيام مع فرصة استثنائية للغوص في صفحات الماضي المجيد، حيث نستحضر يوميات كروية حفرت أسماء أبطالها في قلوب الجماهير وصنعت هيبة الكرة المصرية على المستوى الدولي. عبر هذه الأيام المباركة، سنروي حكايات لا تُنسى عن الصراع فوق المستطيل الأخضر، ونسلط الضوء على تضحيات جيل استثنائي، وعبقرية مدربين صنعوا المعجزات، ولحظات انتصار قلبت كل التوقعات وبثت البهجة في نفوس الملايين. إنها رحلة لاستخلاص العبر من إرادة صلبة جعلت من أبطال النيل قوة لا يُستهان بها عالمياً وقارياً.
ومن بين أعظم تلك الملاحم، تبرز رحلة العودة الخاطفة للأنظار إلى مسرح كأس العالم، والتي تحققت على الأراضي الإيطالية صيف عام ألف وتسعمائة وتسعين. فبعد غياب موحش امتد لأكثر من نصف قرن منذ المشاركة المونديالية الأولى، لم يذهب المصريون إلى هناك لمجرد إثبات الحضور، بل كانوا على موعد مع كتابة تاريخ جديد داخل مجموعة نارية ضمت عمالقة القارة العجوز، ليجدوا أنفسهم أمام تحدٍ حقيقي لاختبار معدنهم الأصيل وكسر هيبة الكبار.
كانت ضربة البداية بمثابة اختبار شديد القسوة، إذ تمثل المنافس في بطل أوروبا آنذاك، المنتخب الهولندي المدجج بأسماء أسطورية ترعب الخصوم أمثال فان باستن، خوليت، وريكارد. غير أن الداهية الفنية الراحل محمود الجوهري، تسلح باستراتيجية دفاعية صارمة وانضباط تكتيكي مبهر، نجح من خلاله في تضييق المساحات وخنق هجوم الخصم الشرس. وبفضل هذه الرؤية المتقنة والالتزام التام من اللاعبين، صمد الخط الخلفي ومن خلفه حارس المرمى ببراعة، ليخرج الفريقان للاستراحة دون أن تهتز الشباك، مما أربك حسابات الطواحين الهولندية بالكامل.
ولم يمضِ الكثير من وقت الحصة الثانية حتى تمكن الفريق البرتقالي من مباغتة الدفاع المصري بهدف كسر حالة الصمت المدردرجة. ورغم قسوة اللحظة والضغط النفسي، انتفض اللاعبون بروح قتالية رافضين رفع الراية البيضاء. وتكللت هذه الشجاعة الهجومية بنجاح باهر قبيل نهاية الوقت الأصلي بدقائق معدودة، حينما انطلق المهاجم حسام حسن ببراعة ليجبر دفاع الخصم على ارتكاب خطأ ضده داخل المنطقة المحرمة. وهنا، انبرى اللاعب مجدي عبد الغني لتنفيذ ركلة الجزاء بثبات يحسد عليه، مطلقاً تسديدة متقنة أعادت المباراة إلى نقطة البداية وسط فرحة عارمة.
أسدل الستار على تلك المواجهة التاريخية بالتعادل الإيجابي، ليحصد المصريون أول نقطة لهم في سجلات المونديال. لم تكن مجرد نقطة في دور المجموعات، بل كانت رسالة مدوية للعالم أجمع بأن العزيمة والتخطيط السليم قادران على قهر الفوارق الفنية. وقد ترك هذا الأداء البطولي في مدينة باليرمو صدىً واسعاً في الأوساط الرياضية العالمية، التي وقفت مذهولة أمام صمود الفراعنة، حتى أن كبرى الصحف الإيطالية تصدرت عناوينها بتعجب شديد مشيدة بتلك المفاجأة الكبرى، لتُخلد تلك الأمسية كواحدة من أروع الفصول تألقاً في تاريخ الرياضة العربية والأفريقية.
التعليقات