تراود الكثيرين فكرة التخلي عن المصادر البروتينية واللحوم لفترة محددة، قد تمتد لشهر، رغبةً في تخفيف الأحمال البدنية أو سعيًا وراء خسارة سريعة للوزن، وربما مجرد فضول لتجربة نمط حياة مغاير؛ إلا أن الجسم البشري لا يتعامل مع هذا الحرمان ببساطة، بل يدخل في دوامة من التغيرات الفسيولوجية العميقة التي تستحق التوقف عندها لفهم ما يجري خلف الكواليس.
عندما ينقطع الإمداد الخارجي لهذا العنصر الحيوي، تبدأ أجهزة الجسم في إعلان حالة من الاستنفار، فتظهر علامات الارتباك بوضوح خلال الأيام الأولى، وتتمثل في شعور مستمر بالإنهاك الذهني والبدني، وصداع لا يهدأ، ناهيك عن رغبة ملحة وغير طبيعية في تناول الطعام؛ وذلك لأن الجسم يفتقر فجأة إلى الأحماض الأمينية التي يعجز عن إنتاجها ذاتيًا، وهي الوقود الأساسي لبناء الأنسجة وتنظيم العمليات الحيوية.
وفيما يتعلق بمسألة الوزن، قد يخدع الميزان صاحبه بأرقام منخفضة في البداية، لكن الحقيقة الفسيولوجية تشير إلى أن ما يُفقد غالبًا هو سوائل مخزنة وكتلة عضلية ثمينة وليست الدهون المستهدفة؛ فمع استمرار العجز، يضطر الجسم “لأكل نفسه” عبر تفكيك العضلات للحصول على الطاقة، مما يؤدي إلى ترهل القوام وانخفاض معدلات الحرق، ويشعر الشخص بوهن شديد يجعل أبسط الأنشطة اليومية عبئًا ثقيلاً، خاصةً لمن اعتادوا على نمط حياة نشط.
لا يتوقف الضرر عند حدود العضلات والطاقة، بل يمتد ليطال الجهاز المناعي الذي يعتمد كليًا على البروتين لتصنيع الأجسام المضادة؛ لذا يصبح الجسم ساحة مفتوحة للهجمات الفيروسية، وتتأخر عملية التئام الجروح والتشافي من الأمراض، وبالتوازي مع ذلك، تتأثر الحالة النفسية بشكل مباشر، حيث يرتبط نقص البروتين بانخفاض النواقل العصبية المسؤولة عن الاستقرار المزاجي، مما يدخل الشخص في نوبات من التوتر، القلق، أو الحزن دون سبب ظاهري.
وعلى المستوى الجمالي، تُرسل الخلايا إشارات استغاثة تظهر بوضوح على المظهر الخارجي، حيث يفقد الشعر حيويته ويبدأ في التساقط، وتصبح الأظافر هشة وسهلة الكسر، بينما تكتسي البشرة بالشحوب وتغيب عنها النضارة، باعتبار أن البروتين هو حجر الزاوية في عملية تجديد الخلايا والحفاظ على شباب الأنسجة.
من الضروري هنا التمييز بحكمة بين الامتناع عن “اللحوم” والامتناع عن “البروتين” كليًا؛ فالتوقف عن تناول اللحوم مع تعويضها بمصادر نباتية قد يحمل بعض الإيجابيات مثل تحسن الهضم، وتراجع الشعور بالتخمة، وضبط مستويات الكوليسترول، أما الحذف التام للبروتين فهو مخاطرة صحية غير محمودة العواقب.
لذا، إذا كان الهدف هو الابتعاد عن المصادر الحيوانية، فلا بد من استراتيجية بديلة تعتمد على التنوع الذكي، من خلال دمج البقوليات كالعدس والحمص، والاستعانة بالمكسرات والبذور لضمان حصول الجسم على كفايته، مع التأكيد على أن فئات معينة كالرياضيين، وكبار السن، والنساء في فترات الحمل والرضاعة، والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، يجب ألا يخوضوا هذه التجربة القاسية دون رعاية طبية دقيقة لتجنب انتكاسات صحية خطيرة.
التعليقات