لطالما كانت كرة القدم المصرية حاضنةً للمواهب العربية الفذة، حيث فتحت ذراعيها لنجوم من مختلف الأقطار تركوا بصمات لا تُمحى على العشب الأخضر؛ فمنهم من سطر اسمه بحروف من ذهب ليغدو أسطورة حية، ومنهم من مرّ كلمح البصر تاركاً أثراً طيباً، بينما خاض آخرون تجارب متعددة بألوان قمصان مختلفة، وقد ساهم هؤلاء المحترفون في إثراء المنافسات المحلية وقيادة أنديتهم لمنصات التتويج، ليحفروا ذكريات خالدة في وجدان الجماهير وسجلات التاريخ الرياضي.

وفي هذا السياق، يبرز اسم النجم السوري مهند البوشي، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة المصرية بنادي الترسانة، حيث انضم لصفوف “الشواكيش” قادماً من مسيرة لافتة مع أهلي حلب، وتجدر الإشارة إلى أن البوشي كان قريباً في وقت سابق من ارتداء قميص النادي الأهلي المصري، إلا أن الحسابات المالية قادته حينها نحو الدوري السعودي. بدأت رحلة هذا اللاعب الموهوب في مدينة حلب التي ولد فيها عام 1973، حيث تفتقت موهبته الكروية مبكراً داخل جدران نادي الاتحاد (أهلي حلب)، ولم يحتج ابن العاشرة وقتاً طويلاً ليلفت أنظار المدرب عمر إدلبي الذي آمن بقدراته وصعّده لفئة الناشئين، ليكافئ البوشي مدربه سريعاً بقيادة الفريق للتتويج ببطولة المدينة بعد تسجيله 25 هدفاً، معلناً عن مولد هداف بالفطرة.

استمر الصعود الصاروخي للبوشي بتوصية من المدرب فاتح زكي الذي نقله لفئة الشباب، ليساهم في حصد لقب الدوري لموسمين متتاليين، ومع تولي زكي القيادة الفنية للفريق الأول، كان البوشي خياره الأول لتدعيم الهجوم، ليصبح أصغر لاعب في الدوري السوري بعمر الثامنة عشرة، ولم يكتفِ بالمشاركة بل توج هدافاً لدوري الشباب بـ 21 هدفاً، ثم هدافاً للدوري الممتاز عام 1990، ليصبح بمرور الوقت الهداف التاريخي للنادي الحلبي برصيد يتجاوز المائة هدف. وعلى صعيد الإنجازات الجماعية، قاد فريقه لاعتلاء منصة التتويج بالدوري السوري ثلاث مرات، والظفر بكأس الجمهورية في مناسبتين، فضلاً عن هيمنته على لقب هداف الدوري في مواسم متعددة، أما دولياً، فقد كان ركيزة أساسية لمنتخبات سوريا بمختلف فئاتها، حيث حمل شارة قيادة المنتخب الأولمبي وسجل بقميص “نسور قاسيون” 37 هدفاً دولياً.

شهد عام 1995 نقطة تحول مفصلية في مسيرة البوشي خلال مشاركته في البطولة العربية بتونس، حيث وجد نفسه أمام عرضين مغريين؛ أحدهما من الأهلي المصري والآخر من الرياض السعودي، وقد غلبت لغة المال على الحسابات الفنية في قراره، فاختار العرض السعودي الذي جعله أغلى محترف سوري آنذاك، وثاني لاعب من بلاده يحترف هناك بعد تمام حوراني، ورغم اعترافه لاحقاً بالتسرع في هذا القرار لعدم استشارة أهل الخبرة، إلا أنه خاض التجربة التي تعثرت مبكراً برحيل المدرب الذي طلبه، مما قلص فرص مشاركته، لتنتهي الرحلة بفسخ التعاقد ودياً بعد تسجيله بضعة أهداف في الدوري والكأس.

وجاءت تجربة البوشي في الملاعب المصرية لتعيد له الكثير من البريق، حيث ارتدى قميص الترسانة لموسمين بدءاً من عام 2000، مشكلاً ثنائيات مميزة مع نجوم الفريق آنذاك، وسرعان ما أثبت جدارته بهز شباك الاتحاد السكندري في ظهوره الأول، ونجح في موسمه الأول بانتزاع وصافة هدافي الدوري برصيد 11 هدفاً، قبل أن يضيف 7 أهداف أخرى في الموسم التالي، لينهي رحلته المصرية بـ 18 هدفاً تركت ذكرى طيبة لدى عشاق الكرة المصرية.

آثر النجم السوري أن يختتم مشواره الكروي في بيته الأول، فعاد إلى أهلي حلب ليعلن اعتزاله بقميصه عام 2005، ومن ثم اتجه إلى عالم التدريب متسلحاً بالشهادات الآسيوية المعتمدة، حيث تولى تدريب فريقه الأم وحقق معه وصافة الدوري، لكن ولايته الثانية عام 2020 لم تكن موفقة، إذ انتهت سريعاً بسبب سوء النتائج في بداية الموسم.