لم تقف الدول الأوروبية مكتوفة الأيدي أمام التحديات المتزايدة التي تفرضها التكنولوجيا على الأجيال الصاعدة، بل بدأت بالفعل في اتخاذ تدابير صارمة لحماية النشء، وهو ما تجلى بوضوح في التحركات الفرنسية الأخيرة الرامية إلى سن تشريعات تمنع من هم دون الخامسة عشرة من الانخراط في منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة يُنتظر تفعيلها بحلول خريف عام 2026، مما يعكس وعياً عالمياً متنامياً بخطورة الموقف الذي يلامس واقعنا في العالم العربي أيضاً.
لقد تحولت الأجهزة الذكية وشاشاتها المضيئة من مجرد أدوات للترفيه إلى رفقاء دائمين يلتهمون وقت الأطفال، ومع تصاعد الانغماس في التطبيقات الشهيرة لتبادل الفيديوهات والصور، بدأ المتخصصون في الصحة النفسية والتربية بدق ناقوس الخطر؛ إذ لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد تضيع الوقت، بل تعداه ليصبح تهديداً مباشراً للتوازن النفسي والنمو الطبيعي للطفل، حيث يلاحظ أولياء الأمور حالة من “الغياب الذهني” تسيطر على أبنائهم، تجعلهم غير قادرين على إتمام المهام البسيطة أو الاستمتاع بالجلسات العائلية، نتيجة تشتت الانتباه وضعف القدرة على الصبر والتركيز.
ولا يتوقف الضرر عند حدود التركيز، بل يمتد ليضرب عمق المهارات الاجتماعية؛ فالطفل الذي يعتاد التعبير عن مشاعره عبر الرموز الإلكترونية يفقد تدريجياً قدرته على إدارة حوار حي ومباشر، وبالتوازي مع ذلك، يقع المراهقون فريسة لمصيدة “المقارنات القاتلة”، حيث يراقبون صوراً لحياة مثالية ومزيفة لأقرانهم أو للمشاهير، مما يزرع في نفوسهم بذور الإحباط والشعور بالنقص، ويقودهم نحو دوامة من القلق والاكتئاب المبكر، فضلاً عن اضطرابات الأكل والرغبة في الانعزال عن الواقع الذي لا يشبه بريق الشاشات.
وفي زوايا هذا العالم الافتراضي المفتوح، تكمن مخاطر أخرى لا تقل ضراوة، تتمثل في سهولة الوصول إلى محتوى يتنافى مع القيم الأخلاقية أو يتضمن مشاهد عنيفة، رغم وجود آليات الحجب التي غالباً ما ينجح الصغار في تخطيها، مما يشوه تكوينهم المعرفي والأخلاقي، يضاف إلى ذلك شبح “التنمر الرقمي” الذي يلاحقهم في غرفهم المغلقة، حيث يمكن لتعليق ساخر أو رسالة مؤذية أن تحطم ثقة الطفل بنفسه وتجعله يكره الذهاب إلى مدرسته أو الاختلاط بالناس، مما يستدعي بناء جسور ثقة متينة بين الآباء والأبناء ليكونوا الملجأ الأول عند التعرض لأي إساءة.
وعلى الصعيد الجسدي، تدفع هذه الأجهزة الأطفال للسهر لساعات متأخرة، حيث يعمل الضوء الأزرق المنبعث منها على إرباك الساعة البيولوجية للجسم وكبح هرمونات النوم الضرورية، مما يؤثر سلباً على نموهم البدني وقدراتهم الذهنية في اليوم التالي؛ لذا فإن الحل لا يكمن في معاداة التكنولوجيا بشكل مطلق، فهي نافذة للمعرفة، بل يكمن في ترشيد استخدامها عبر وضع ضوابط زمنية صارمة، ومراقبة نوعية المحتوى بذكاء، وتشجيع الأبناء على الانخراط في الحياة الواقعية عبر الرياضة والقراءة والتفاعل البشري الحقيقي، لضمان نشأة سوية ومتوازنة.
التعليقات