في سجلات الكرة المصرية، يبرز تاريخ الرابع والعشرين من مايو لعام 2009 كعلامة فارقة لا تُمحى، حينما أبت منافسات الدوري أن تبوح بأسرارها إلا عبر فصل ختامي استثنائي؛ فلم يكن ذلك اليوم مجرد لقاء رياضي عابر لحصد النقاط، بل تحول إلى ملحمة كبرى حبست أنفاس الملايين، عندما فرض التعادل في النقاط ضرورة اللجوء إلى مواجهة فاصلة لتحديد هوية البطل، ليقع الاختيار على ستاد حرس الحدود “المكس” بالإسكندرية ليكون مسرحاً لهذا الصدام التاريخي الذي شطر مشاعر الجماهير المصرية إلى نصفين.
شهدت تلك الأمسية مواجهة من العيار الثقيل، جمعت بين سطوة النادي الأهلي في أوج عطاء جيله الذهبي، وبين السحر الكروي للدراويش الذين قدموا أداءً يضاهي فنون الكرة البرازيلية، وكانت الأجواء مشحونة بالتحدي، حيث التقت رغبة الفريقين في اعتلاء منصة التتويج في معركة كروية شرسة لم تقبل القسمة على اثنين، وعلى مقربة من شاطئ البحر المتوسط، تلاطمت أمواج الحماس في المدرجات لتعكس صراعاً ملتهباً داخل المستطيل الأخضر، مما جعل هذا اللقاء بمثابة المشهد الرئيسي والأكثر إثارة في تاريخ المسابقة الحديث.
وقع الاختيار على الإسكندرية كأرض محايدة لضمان العدالة، بعيداً عن قلاع الفريقين في القاهرة أو الإسماعيلية، ورغم صغر السعة الاستيعابية لملعب اللقاء، إلا أن قربه الشديد من الجماهير جعل الهتافات تزلزل الأرجاء وتخلق ضغطاً رهيباً، وقبل انطلاق الصافرة، تحولت الطرق المؤدية إلى المدينة الساحلية، سواء الصحراوية أو الزراعية، إلى أنهار بشرية متدفقة؛ إذ زحفت الحشود بالآلاف عبر السيارات والحافلات في مشهد كرنفالي مهيب، واختلطت الرايات الحمراء والصفراء في مسيرة تؤكد أن الشغف بكرة القدم في مصر يتجاوز حدود اللعبة ليصبح حالة فريدة من الانتماء.
لم يطل الانتظار كثيراً حتى باحت المباراة بأهم أسرارها، فمع الدقائق الخمس الأولى، حضرت “التميمة” الأهلاوية المعتادة بتوقيع الثنائي الأنجولي؛ حيث أرسل جيلبرتو عرضيته المتقنة لتجد رأسية فلافيو القاتلة التي سكنت الشباك وأعلنت التفوق الأحمر المبكر، وفي المقابل، قدم الإسماعيلي سيمفونية كروية رائعة وحاول لاعبوه بشتى الطرق تعديل النتيجة، وأهدر نجومه -وبالأخص حمص وأبو جريشة- فرصاً محققة للعودة أمام تألق الحارس، إلا أن التوفيق أدار ظهره لهم، وكأن الكأس قد حسمت أمرها واختارت وجهتها النهائية في وقت مبكر.
اكتسبت هذه الموقعة خلودها من عدة اعتبارات جعلتها راسخة في الذاكرة، أبرزها أنها مثلت المشهد الختامي والوداعي للحقبة الذهبية الثانية للداهية البرتغالي مانويل جوزيه قبل رحيله، مما أضفى طابعاً عاطفياً وتاريخياً على الانتصار، كما أن هذا الموسم ظل شاهداً على عظمة فريق الإسماعيلي الذي فرض نفسه كمنافس شرس وند حقيقي قارع الكبار حتى الرمق الأخير، مقدماً مستويات فنية لا تزال تُدرس، لتنتهي تلك الليلة كواحدة من أروع ملاحم الدوري المصري، حيث امتزج التوتر التنافسي بروعة الزحف الجماهيري الذي خلد ذكرى “فاصلة المكس”.
التعليقات