يُعد شهر الصيام فترة مثالية لتجديد حيوية الجسم واستعادة نشاطه، إلا أن بعض الممارسات الخاطئة قد تأتي بنتائج عكسية تماماً، وتُحدث فوضى في التوازن الدقيق للهرمونات. ولعل أكثر هذه العادات شيوعاً وضرراً هي الخلود إلى النوم مباشرة عقب الانتهاء من وجبة السحور، وهو تصرف قد يبدو مبرراً للبعض رغبةً في كسب قسط من الراحة قبل بدء الدوام، غير أن المعطيات الطبية الحديثة تحذر بشدة من التبعات الصحية لهذا السلوك.
فعندما يمتلئ الجسم بالطعام ثم يركن للراحة فوراً، يحدث تعارض كبير مع الساعة البيولوجية؛ إذ من الطبيعي أن ترتفع مستويات الطاقة صباحاً استعداداً لليوم، لكن النوم المفاجئ يرسل إشارات متناقضة للدماغ، مما يسبب الخمول واضطراباً في وظائف الجسم الحيوية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد التأثير ليشمل طريقة تعامل الجسم مع السكريات، حيث يؤدي النوم بعد تناول النشويات إلى تراجع كفاءة الجسم في حرق الجلوكوز، ما يجعل الصائم يشعر بجوع شديد وإرهاق غير مبرر، خاصة في الساعات الأخيرة قبل الإفطار.
كما أن هذا الروتين يؤثر سلباً على الإشارات العصبية المسؤولة عن تنظيم الشهية، وتحديداً الهرمونات التي تتحكم في الشعور بالشبع والجوع، مما يفسر رغبة البعض الملحّة في التهام الحلويات والأطعمة الدسمة لتعويض الطاقة المفقودة وهمياً. إضافة إلى ذلك، فإن الجهاز الهضمي يدفع ثمن هذا الاستعجال في النوم، حيث تتباطأ عمليات الهضم بسبب وضعية الاستلقاء، وتزداد احتمالية الإصابة بالارتجاع المريئي والانتفاخات المزعجة التي تعكر صفو الصيام.
وللخروج من هذه الدوامة والحفاظ على توازن الجسم، يُنصح باتباع نهج أكثر حكمة، يبدأ باختيار أصناف خفيفة ومغذية في وجبة السحور، والحرص على البقاء في وضعية نشطة لمدة تتراوح بين نصف ساعة إلى ساعة قبل العودة للفراش. ويمكن استغلال هذا الوقت في المشي الخفيف داخل المنزل لتحسين حركة الأمعاء، مع ضرورة إعادة جدولة ساعات النوم تدريجياً لضمان راحة الجسم، فبداية اليوم الصحيحة هي الحجر الأساس لصيام مريح وصحة مستقرة.
التعليقات