تعتبر صحة الهيكل العظمي ركيزة أساسية لقوة الجسم وديمومة حركته، إلا أن هناك حالة طبية صامتة قد تخل بهذا التوازن الدقيق، وتتمثل في تآكل الكتلة العظمية بوتيرة تتسارع بشكل يفوق قدرة الجسم الطبيعية على الترميم والبناء، مما يحول العظام الصلبة إلى نسيج رقيق وهش يسهل تهشمه، وغالباً ما يرسل الجسد إشارات تحذيرية خفية في المراحل الأولية قد يغفل عنها الكثيرون، مثل ملاحظة تراجع اللثة وانحسارها عن جذور الأسنان دون سبب واضح، أو الشعور بوهن غير مبرر في قبضة اليد مما قد يرفع من احتمالية فقدان التوازن والسقوط، بالإضافة إلى تغير ملمس الأظافر وقوتها لتصبح سهلة التكسر، وهو ما يعد مرآة تعكس الحالة الداخلية لصحة العظام بعد التأكد من خلو الجسم من أمراض أخرى.
ومع تقدم الحالة واشتداد حدة المرض، تبدأ الآثار الجسدية بالظهور بشكل أكثر وضوحاً وخطورة، حيث يعاني المريض من تغيرات هيكلية ملموسة أبرزها تناقص القامة وفقدان الطول المعتاد نتيجة تعرض فقرات العمود الفقري لكسور انضغاطية، وقد يتطور الأمر ليحدث تقوساً وانحناءً في الجزء العلوي من الظهر، مما يولد ضغطاً مستمراً يسبب آلاماً حادة في الرقبة والظهر وأحياناً صعوبات في التنفس بسبب ضيق القفص الصدري، وتصل درجة الهشاشة في هذه المراحل المتقدمة إلى مستوى حرج، حيث تصبح العظام “زجاجية” لدرجة أن سقطة بسيطة، أو حركات اعتيادية، أو حتى نوبة سعال قوية قد تؤدي إلى كسور مؤلمة ومعقدة.
وتعود جذور هذه المشكلة في كثير من الأحيان إلى عوامل بيولوجية وهرمونية، حيث يلعب هرمون الإستروجين دور الدرع الواقي للعظام، ويؤدي انخفاض مستوياته -خاصة في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث- إلى تسريع وتيرة فقدان العظم، كما أن المتانة العظمية تعتمد بشكل كبير على المخزون الذي كونه الإنسان في سنوات طفولته؛ فسوء التغذية، ونقص الكالسيوم وفيتامين د، والخمول البدني في الصغر يضعف الأساس الذي يستند عليه الجسم في الكبر، مما يجعل العظام أقل قدرة على الصمود أمام عوامل الزمن.
وتتضافر مجموعة من العوامل المتشابكة لترسم خريطة المخاطر المحتملة للإصابة بهذا المرض، حيث تشير البيانات إلى أن النساء هن الأكثر تأثراً بنسبة تصل إلى أربعة أضعاف مقارنة بالرجال، وتزداد احتمالية الإصابة بشكل ملحوظ بعد تجاوز سن الخمسين، خاصة لدى الأشخاص ذوي البنية الجسدية الضئيلة أو من يملكون تاريخاً عائلياً للإصابة بالكسور، ولا يقتصر الأمر على العوامل الوراثية والعمرية، بل يمتد ليشمل الحالة الصحية العامة؛ إذ ترفع بعض الأمراض المزمنة مثل اضطرابات الغدة الدرقية، ومشاكل الكلى والكبد، وأمراض المناعة الذاتية كالروماتويد والذئبة من نسب الخطر، فضلاً عن التأثير السلبي لبعض العلاجات كأدوية السرطان والاستخدام طويل الأمد للكورتيزون، وأخيراً يلعب نمط الحياة دوراً حاسماً، حيث يعد التدخين، واستهلاك الكحول، وقلة الحركة أعداءً ألداء لصحة العظام ومتانتها.
التعليقات