قلما يجود الزمان بمواهب كروية تفرض سطوتها من خارج حدود العاصمة، لكن حكاية هشام عبد الرسول تمثل استثناءً خارقًا للقاعدة؛ فقد كان هذا النجم الاستثنائي بمثابة أيقونة صعيدية أجبرت القائمين على المنتخب المصري على توجيه أنظارهم صوب الجنوب، بحثًا عن سحره الخاص الذي أطرب الجماهير وجعل من محافظة المنيا قبلة لعشاق الفن الكروي الأصيل. لم يكن بزوغ نجمه أمرًا يسيرًا في زمن هيمن فيه قطبا الكرة المصرية على كل شيء، إلا أن موهبته الفطرية وقدرته العجيبة على تطويع الكرة في أضيق المساحات جعلت منه ركيزة أساسية في كتيبة “الجنرال” التي شقت طريقها نحو مونديال إيطاليا، حيث كان يُنظر إليه باعتباره العقل المدبر القادر على صنع الفارق وربط خطوط الفريق ببراعة يحسد عليها.

وبينما كانت القلوب تخفق انتظارًا لرؤيته يبدع في الملاعب العالمية، تدخلت الأقدار لتكتب نهاية درامية لهذا الحلم؛ فبدلاً من أن تطأ قدماه ملاعب روما، كان موعده مع حادث سير أليم على الطريق الصحراوي، ليغتال هذا الحادث مسيرة أحد أبرز صناع اللعب في جيله، ويحرم الجماهير المصرية من متعة كروية كانت وشيكة الظهور في المحافل الدولية، وكأن القدر أبى أن تكتمل تلك اللوحة الفنية البديعة.

لم تقتصر أسطورة هذا اللاعب على مهاراته فحسب، بل امتدت لتشمل نبل أخلاقه ووفائه النادر؛ فقد أغلق أذنيه عن كل الإغراءات المالية والعروض المفتوحة التي انهالت عليه من كبار أندية القاهرة، مفضلاً البقاء وسط محبيه وعشاقه في مدينته، مؤمنًا بأن قيمته الحقيقية تكمن في إسعاد البسطاء الذين رأوا فيه بطلاً قوميًا لا يقدر بثمن. ولعل تتويجه بلقب هداف الدوري وهو يرتدي قميص نادٍ غير جماهيري يعد برهانًا دامغًا على عبقريته التي شبهها الكثيرون بلمسات النجم الأرجنتيني مارادونا. ورغم أن الاعتزال القسري أبعده عن المستطيل الأخضر مبكرًا، إلا أن سيرته تظل محفورة في الذاكرة كنموذج للموهبة الفذة التي تحدت الجغرافيا والظروف، لتثبت أن الإبداع الحقيقي يفرض نفسه مهما كانت التحديات، وأن الأساطير تخلد في القلوب حتى وإن قصرت مدة بقائهم في الملاعب.