أثارت المأساة الأخيرة التي راحت ضحيتها فتاة صغيرة نتيجة الحرمان المتعمد من الغذاء تساؤلات طبية عميقة حول الآلية البيولوجية التي تؤدي إلى نهاية الحياة عند انقطاع الطعام. فالأمر يتجاوز مجرد الشعور بقرقرة المعدة أو الألم العابر؛ إنه أشبه بمعركة خاسرة يخوضها الجسم ضد نفسه، حيث يتحول الحرمان إلى معول هدم يدمر البنية الجسدية ببطء وتدريجيًا حتى الانهيار التام.
عندما ينقطع المدد الغذائي، يبدأ الجسم في رحلة اضطرارية للبحث عن بدائل للطاقة؛ فبعد استنزاف ما لديه من مخزون السكر والدهون، يضطر “لأكل نفسه” حرفيًا عبر تفكيك الكتلة العضلية والأنسجة الحيوية لضمان استمرار عمل الأعضاء الأساسية. هذا التآكل الداخلي يفتح الباب واسعًا أمام الانهيار، إذ يتلاشى الجهاز المناعي تمامًا ويصبح الجسد بلا درع واقٍ، مما يجعله فريسة سهلة لأبسط أنواع العدوى التي قد تتطور بسرعة مذهلة لتسبب التهابات حادة أو تسممًا دمويًا.
ومع استمرار هذه الحالة المزرية، تتداعى الأجهزة الحيوية واحدًا تلو الآخر؛ فيصاب القلب بالوهن الشديد وتضطرب الدورة الدموية، كما تعجز الكلى والكبد عن أداء وظائفهم الحيوية، ويحدث خلل كيميائي قاتل في توازن المعادن بالجسم قد يسفر عن توقف مفاجئ لعضلة القلب. وفي المراحل الأخيرة، يصل الإنسان إلى حالة من “الهزال المطلق” يعجز معها عن الحركة أو حتى النطق قبل الدخول في صدمة نهائية تؤدي للوفاة. وتتجلى المأساة بصورة أكثر قسوة وخطورة لدى الأطفال، حيث تنهار أجسادهم بوتيرة متسارعة مقارنة بالبالغين، فيتوقف نموهم وتتضرر وظائف المخ لديهم بشكل مباشر، مما يجعلهم الأقرب للخطر والموت السريع في مثل هذه الظروف القاسية.
التعليقات