تختلف مسارات لاعبي كرة القدم باختلاف طموحاتهم وأقدارهم؛ فبينما يخلد البعض ذكراه بقميص واحد، يختار آخرون خوض غمار التحدي عبر محطات متعددة، جامعين الخبرات من ميادين شتى، ليصبح الترحال جزءاً من هويتهم الكروية وعلامة على قدرتهم المستمرة على العطاء أينما حلوا، وهو ما ينطبق تماماً على مسيرة أحد أبرز نجوم الكرة المصرية الذي سطر اسمه بحروف من ذهب في سجلات اللعبة.

يبرز اسم وليد سليمان، الذي يشغل حالياً منصباً قيادياً في قطاع الناشئين بالقلعة الحمراء، كنموذج للموهبة الفذة التي شقت طريقها من الصعيد إلى القمة؛ فقد انطلقت رحلته من مركز شباب بني مزار بمحافظة المنيا، مروراً بمحطة الشباب في حرس الحدود، وصولاً إلى نادي الجونة الذي شهد توهجه الأول في منتصف العقد الأول من الألفية، وهناك التقطته أعين الخبير مختار مختار ليضمه إلى كتيبة بتروجت، خاطفاً إياه قبل أن تكتمل خطوات انتقاله إلى الدراويش، ليبدأ فصلاً جديداً من التألق في الدوري الممتاز.

كانت انطلاقته مع الفريق البترولي قوية ومؤثرة، فمنذ موسمه الأول بين الكبار، أثبت سليمان جدارته بتسجيل هدف حاسم في شباك طلائع الجيش منح فريقه الفوز، ولم يمر هذا التوهج مرور الكرام، إذ لفت انتباه المعلم حسن شحاتة الذي استدعاه لتمثيل المنتخب الوطني في دورة الألعاب العربية، ليكون أحد العناصر الفاعلة في تتويج الفراعنة بالميدالية الذهبية، مؤكداً أن موهبته تستحق التواجد الدولي.

وفي خطوة نحو الاحتراف الخارجي، حزم اللاعب حقائبه في شتاء 2009 متجهًا إلى المملكة العربية السعودية لخوض تجربة إعارة قصيرة مع أهلي جدة، ورغم أن الإصابات عاندته وحالت دون تقديمه كل ما في جعبته، إلا أنه نجح في ترك بصمة بهدف وحيد وساهم في تأمين مركز مؤهل لدوري أبطال آسيا لفريقه، ليعود بعدها إلى مصر محملاً بخبرات جديدة، حيث واصل إبداعه مع بتروجت مسجلاً أهدافاً لا تنسى، لعل أبرزها قذيفته في مرمى الصفاقسي التونسي بالبطولة الكونفدرالية، منهياً فترته مع الفريق برصيد مميز من الأهداف والمشاركات قبل أن ينتقل إلى إنبي بحكم العلاقات المؤسسية بين الناديين، رغم الصراع الشرس عليه من قطبي الكرة المصرية.

لم يكن طريق سليمان نحو تحقيق حلم طفولته بارتداء القميص الأحمر مفروشاً بالورود، بل شهد فصولاً درامية وصلت حد التلويح باعتزال الساحرة المستديرة إن لم يُسمح له بالانتقال للنادي الأهلي، وبعد مفاوضات ماراثونية، رضخت إدارة ناديه لرغبته، لتتم الصفقة الأغلى في ذلك الموسم، ويبدأ “الحاوي” رحلة تاريخية داخل القلعة الحمراء، ضارباً أروع الأمثلة في الوفاء بعدم الالتفات لإغراءات المنافسين، ليصبح ركيزة أساسية في الجيل الذهبي للأهلي خلال العقد الأخير.

توجت هذه الرحلة الشاقة بمسيرة أسطورية حصد خلالها سليمان الأخضر واليابس، محققاً 24 لقباً تنوعت بين الدوري المحلي، وكأس مصر، والسوبر المصري، إلى جانب الهيمنة القارية بأربعة ألقاب لدوري أبطال إفريقيا ومثلها للسوبر الإفريقي ولقب للكونفدرالية، فضلاً عن اعتلائه منصات التتويج العالمية مرتين بحصد برونزية مونديال الأندية، وقد ترجم هذا المجد إلى لغة الأرقام عبر مشاركته في ما يقرب من 300 مباراة بقميص الأهلي، ساهم خلالها بتسجيل وصناعة أكثر من مائة هدف، مسدلاً الستار على مسيرة كروية ملهمة وسجل انضباطي نادراً ما تشوبه البطاقات الملونة.