تتجاوز لعبة كرة القدم مجرد كونها منافسة رياضية لتتحول إلى ملحمة يسطرها شغف الجماهير، حيث تمنح المدرجات أبطالها ألقاباً تخلد في ذاكرة الأجيال وتبقى حية حتى بعد انطلاق صافرة النهاية بسنوات طويلة. ومع نفحات شهر رمضان المبارك، نعود بالزمن لنغوص في أعماق حكايات الساحرة المستديرة في مصر، لنستكشف الأسرار الكامنة خلف تلك المسميات الخالدة. وتبرز في هذا السياق قصة استثنائية لأحد أعظم من ارتدى قميص نادي الزمالك، وهو النجم الراحل حمادة إمام، الذي حفر اسمه بحروف من ذهب تحت لقب “الثعلب”.

لم يأتِ هذا اللقب من فراغ، بل كان انعكاساً لدهاء كروي نادر وذكاء فائق تمتع به داخل المستطيل الأخضر. فقد كان بمثابة الكابوس المزعج لخطوط الدفاع، يراوغ بسلاسة ويقتنص الأهداف من أنصاف الفرص بأسلوب ماكر. ولعل الملحمة الكروية التي سطرها عام 1966 أمام فريق وست هام الإنجليزي هي الشاهد الأكبر على عبقريته، ففي مواجهة أساطير بحجم بوبي مور وجيف هيرست، تلاعب بالدفاعات الإنجليزية وأمطر شباكهم بثلاثية تاريخية من أصل خماسية فاز بها فريقه آنذاك.

انطلقت شرارة هذه الموهبة الفذة أواخر الخمسينيات حين انضم لصفوف الناشئين، وسرعان ما لفت الأنظار ليلعب في مستويات تفوق عمره بكثير. ولم يقتصر تفوقه على الجانب الرياضي، بل اتسم بالانضباط العسكري الصارم إثر تخرجه ضابطاً من الكلية الحربية أوائل الستينيات وتدرجه حتى رتبة عميد، مما أهله لتمثيل المنتخبات الوطنية والعسكرية في شتى المحافل. وقد تغنت الجماهير مطولاً بسحره في المدرجات بأهازيج خاصة، لا سيما بعد ثنائيته الحاسمة في شباك حارس غريمه التقليدي عصام عبد المنعم والتي حسمت درع الدوري عام 1965. وما يزيد من عظمة مسيرته، هو ذلك السجل الأخلاقي النقي، إذ ودع الملاعب دون أن تُرفع في وجهه بطاقة ملونة واحدة.

وبحلول منتصف السبعينيات، قرر تعليق حذائه، لكنه لم يبتعد عن عشقه الأول. انتقل بسلاسة إلى العمل الإداري متقلداً مناصب رفيعة وصلت إلى نائب رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم. لاحقاً، وجد طريقاً جديداً لقلوب المشجعين عبر شاشة التلفاز، ليصبح صوتاً مألوفاً وأحد أبرز المعلقين الرياضيين في تاريخ العالم العربي. وعلى الصعيد الإنساني، كانت حياته نموذجاً للرقي، حيث ارتبط بأسرة مرموقة وتزوج من الدكتورة ماجي الحلواني، العميدة السابقة لكلية الإعلام. وفي مطلع عام 2016، أسدل الستار على هذه الرحلة العامرة بالإنجازات، ليرحل تاركاً حزناً عميقاً في قلوب محبيه وكل من عشق فنه الراقي.