سلط الدكتور جمال شعبان، العميد السابق لمعهد القلب، الضوء على حقائق مذهلة تتعلق بالمنظومة الكهربائية للقلب، واصفاً إياه بالمضخة الفريدة التي لا تعرف التوقف، إذ يواصل القلب عمله الدؤوب ليل نهار في حالات اليقظة والنوم والسكون والحركة، بعكس الدماغ الذي يحظى بفترات من الراحة أثناء النوم، ويعتمد هذا الإيقاع القلبي المنتظم والمتناسق كلياً على نشاط كهربائي دقيق ومحكم.

تُعد كهرباء القلب بمثابة المحرك الأساسي الذي يرسل الأوامر لعضلة القلب بالانقباض، مما يضمن ضخ الدم المحمل بالأكسجين والغذاء إلى كافة أنحاء الجسم، وتبدأ رحلة النبضة الكهربائية من نقطة محددة في الأذين الأيمن تُعرف بالعقدة الجيبية الأذينية، لتنتشر الشحنة وتصل إلى الأذين الأيسر، مروراً بالعقدة الأذينية البطينية وحزمة “هيس”، وصولاً إلى التفرعات اليمنى واليسرى التي تغذي البطينين، وبناءً على الإشارات الصادرة من هذه “البطارية الطبيعية”، يتحدد معدل ضربات القلب؛ فزيادة تواتر الإشارات تعني تسارع النبض، وتراجعها يعني تباطؤه.

وفيما يخص المعدلات الطبيعية، فإن نبض الإنسان البالغ يتراوح عادة بين 60 و100 نبضة في الدقيقة، وهي نسبة قابلة للزيادة استجابةً للمجهود البدني أو الضغوط النفسية، ويمكن حساب الحد الأقصى لنبض القلب أثناء الرياضة العنيفة بطرح عمر الإنسان من الرقم 220؛ فعلى سبيل المثال، يصل الحد الأقصى لشخص في الأربعين من عمره إلى حوالي 180 نبضة، ومن بديع خلق الله في هذا الجهاز الحساس وجود أنظمة أمان احتياطية لضمان استمرار الحياة، فإذا تعطلت البطارية الرئيسية، تتولى المولدات الاحتياطية في العقدة الأذينية البطينية المهمة بمعدل 60 نبضة، وإذا فشلت تلك أيضاً، يمكن لأي خلية في البطينين توليد نبضات بمعدل 40 نبضة في الدقيقة لإنقاذ الموقف.

من الضروري التوضيح أن هناك استقلالاً في الدوائر الكهربائية بين القلب والمخ، فمرضى الصرع أو زيادة كهرباء المخ ليسوا بالضرورة عرضة لمشاكل كهرباء القلب، ومع ذلك، يوجد تواصل فسيولوجي دقيق بينهما عبر الجهاز العصبي والهرمونات مثل الأدرينالين، التي تضبط إيقاع القلب حسب الحالة النفسية والبدنية، وعند حدوث خلل في هذه المنظومة، سواء بالتسارع أو التباطؤ، يشعر المريض بأعراض تتنوع بين الخفقان، والرفرفة، أو الشعور بسحبة في الروح.

تتعدد صور الخلل الكهربي، فقد يكون التسارع “جيبياً” ناتجاً عن أسباب ثانوية كالحمى، فقر الدم، نشاط الغدة الدرقية، أو انخفاض الضغط، وعلاجه يكمن في التعامل مع السبب الأصلي، وهناك نوع آخر أولي ينشأ من خلل في العقدة نفسها ويستلزم أدوية مثبطة أو تدخلاً بموجات الراديو، أما التسارع فوق البطيني، فهو الأكثر شيوعاً، ويظهر كنوبات مفاجئة يصل فيها النبض إلى 200 دقة، ويمكن علاجه بمناورات العصب الحائر أو الأدوية الوريدية، والحل الجذري له يكون عبر القسطرة والكي بمعدلات نجاح تلامس 100%.

ومن الحالات الخلقية المعقدة “متلازمة ولف”، حيث يولد الشخص بمسار كهربائي إضافي يسبب تسارعاً خطيراً قد يهدد الحياة، ويتم علاجها بكيّ هذه الضفيرة الزائدة، أما الرجفان الأذيني، فيتسم بعدم انتظام النبض وتذبذب الأذينين بمعدلات عالية جداً، مما يرفع خطر تكون الجلطات والسكتات الدماغية، ويرتبط هذا النوع بمشاكل الصمامات، الضغط المرتفع، السمنة، والتدخين، ويتطلب علاجاً دقيقاً يشمل مسيلات الدم والسيطرة على النبض، ويُعد الكي وعزل الأوردة الرئوية باستخدام تقنيات رسم القلب ثلاثي الأبعاد الحل الأمثل في حال فشل الأدوية.

أخيراً، تُعد الاضطرابات البطينية أخطر أنواع اختلال الكهرباء، حيث قد تؤدي إلى توقف القلب المفاجئ، وتستدعي تدخلاً عاجلاً قد يشمل زراعة أجهزة الصدمات الكهربائية بجانب الكي، وخلاصة القول إن مشاكل كهرباء القلب باتت منتشرة في عصرنا الحالي، لكن التطور الطبي الهائل في وسائل التشخيص والعلاج بالقسطرة والتقنيات ثلاثية الأبعاد جعل التعامل معها ميسوراً وممكناً لضمان سلامة المرضى.