في عالم الساحرة المستديرة، لا يُقاس الانتماء والعطاء دائماً بالبقاء بين جدران نادٍ واحد، فهناك فئة من اللاعبين اتخذت من الترحال الكروي منهجاً لها. هؤلاء يتنقلون بين الملاعب المختلفة، ليغرسوا بذور خبراتهم في أروقة متعددة، صانعين لأنفسهم هوية خاصة كعابرين للمحطات الكروية، ويبرز اسم المدافع الصلب محمود متولي كنموذج حي لهذا المسار المليء بالتحولات الجوهرية والصعوبات.
انطلقت شرارة الشغف لدى المدافع ابن مدينة المنصورة، المولود في مطلع عام 1993، في سن مبكرة جداً. فبمجرد إتمامه عامه التاسع، فتحت مدرسة الناشئين بقلعة الدراويش أبوابها لاحتضانه. هناك، تبلورت موهبته الدفاعية بشكل لافت، مما جعله محط إعجاب مدربيه الذين تنبأوا له بمستقبل باهر بعد مساهمته الفعالة في حصد ألقاب للفئات السنية. ولم يتأخر ظهوره الاحترافي الأول؛ ففي ربيع عام 2013، دشن انطلاقته مع الكبار في الدوري المحلي أمام طلائع الجيش، ليعقب ذلك مباشرة اختباره القاري الأول في منافسات الكونفدرالية الأفريقية.
الطموح نحو آفاق أرحب دفعه لاتخاذ خطوة مفصلية في مشواره، حيث ارتدى القميص الأحمر في صفقة ضخمة تخطت حاجز الخمسة عشر مليون جنيه. كان الهدف واضحاً؛ حجز مقعد أساسي في تشكيلة العملاق القاهري واقتحام صفوف المنتخب الوطني. وتحت إشراف المدرب السويسري رينيه فايلر، سجل حضوره الأول في الملاعب الأفريقية ضد كانو سبورت الغيني. وعلى الرغم من قلة مشاركاته الإجمالية التي لم تتجاوز تسعاً وخمسين مواجهة زار خلالها الشباك مرتين وصنع هدفاً، فإنه نجح في تدوين اسمه بحروف من ذهب في سجلات التتويج، حاصداً أحد عشر لقباً متنوعاً شملت الأميرة السمراء في ثلاث مناسبات، ومثلها في الدوري والسوبر المحلي، إلى جانب تتويجين في مسابقة كأس مصر.
إلا أن رياح القدر لم تجرِ بما يشتهيه طموح اللاعب، حيث تحولت الإصابات البدنية المتلاحقة إلى كابوس أزعج استقراره الفني وحرمه من الاستمرارية. هذا الشبح اللعين لم يقتصر تأثيره على مسيرته مع ناديه، بل اغتال حلمه بارتداء قميص المنتخب الأول. فبعد مسيرة حافلة شملت إحدى وعشرين مشاركة دولية موزعة بين منتخبي الشباب والأولمبي، جاءته فرصة الانضمام لكتيبة الفراعنة الكبار، لكن تمزقاً عضلياً مفاجئاً في التدريبات أجهض هذه الخطوة المنتظرة.
ومع تفاقم الأزمات البدنية، اتخذت إدارة القلعة الحمراء قراراً بإنهاء الارتباط، ليتجه اللاعب صوب الساحل الشمالي محاولاً إحياء مسيرته مع نادي الاتحاد السكندري. غير أن التجربة لم تدم طويلاً ولم تتخطَ حاجز الثلاث عشرة مباراة قبل أن تنتهي العلاقة التعاقدية بين الطرفين بسبب استمرار لعنة الإصابات. ويعيش متولي في الوقت الراهن حالة من الترقب كلاعب حر يبحث عن وجهة جديدة تلملم شتات مسيرته، وسط تكهنات حول إمكانية عودته إلى الجذور وناديه الأم في حال أُزيلت العوائق الإدارية الخاصة بتسجيل اللاعبين، لتبدأ صفحة جديدة في سجل هذا المدافع الذي أبى أن يستسلم لتقلبات الملاعب.
التعليقات